محمد سامى - كل عيش





 نحن_الشعب المصرى_ قيل عنا أننا نتحمل القهر,والظلم,والفساد,ولكن لا يمكن أن نتحمل أن يجور أحد على لقمة عيشنا,ولعلك تلاحظ أننا الوحيدون الذين نسمى الخبز "العيش",وقد كانت الكلمة الأولى فى شعار ثورة يناير,(عيش,حرية,عدالة إجتماعية).

 ما هذه العلاقة  الغريبة بيننا وبين"العيش" ؟ 

ولماذا العيش بالذات؟ 
بعض الشعوب تعتبر "البطاطس" المحصول الإستراتيجى كالعيش والأرز بالنسبة لنا,فلا تعير ذلك الكثير من الإنتباه لعله ذوق عام إنتاب الأجداد فى وقت ما وقد ورثنا عنهم ذوقهم _وغير ذلك طبعا !_.

إعلم أن بعض الجينات تورث مرتبطة لا إراديا بجينات أخرى _وهذه مسألة بيولوجية بحتة_!

  داهمتنى هذه الأفكار  وأنا أتحرك فى ظلام الشارع  بعد الفجر_ما هذا النشاط المفاجئ  ؟!_ لأحضر "العيش" بالنظام الجديد "الكوبونات", لم أكن وحدى  وكنا مجموعة تكفى للهرج والعشوائية  ولكن وقفنا بهدوء وإنتظام لنقدم  البطاقة الذكية للكاشير,فيعطيك  الخبر وقد إحمرت أنفه وإنتفخت  عيناه من أثر النوم والزكام, وما أن جاء دورى لأقدم ال"الكوبون" حتى وجدت العيش المتبقى لنا  فى البطاقة أقل من المفروض  بخمس وعشرين رغيفا,حدثت نفسى بأنها إجراءات تقشفية تقوم بها الحكومة , ولم يمنعنى ذلك من السؤال . 
_العيش ناقص يا عم حسين ؟

_أيوة يابنى , ناقص  كده فى كل البطاقات , كل الناس  كده .

أخذت الأرغفة ورجعت ,تفاخرت بنشاطى أمام أسرتى وهم يحاولون تكسير مجاديفى ولكن على مين ؟!

حتى أن سألتنى أمى : 
_باقى لنا كام رغيف؟ 
_خمسون؟

_ضحك عليك ,يالله هو  حد عارف يتكلم ؟

_معدتش هجيبلكم عيش  تانى إستريحتى ؟!

_عمل معايا كده  مرة , ولما قلت له هكلم إدارة  التموين , أعطانى العيش كامل,يبقى  بيسرق!

_طيب,ما نتصل بالتموين,ده  بيقولى أخد من كل الناس نفس  العدد

_كلهم خايفين يتكلموا ,إدارة التموين هتعمل إيه؟ وحتى  لو عملت هتبقى أنت البطة  السودا!

_يعنى هنسيبه يسرق  العيش كده ؟

_لأ, لو رحت بعد  كده يعنى , إبقى قوله على جنب  إنك عارف عدد العيش الأصلى , هيفهم !

  قررت أن أنزل  اليوم التانى لأحضر العيش , ولكن  تعمدت التأخر فى الطابور لأتحدث  مع الواقفين, هل يعلمون ويتأقلمون  مع الظلم ؟ 
هل ينزعجون ويغضبون ويطلبون التموين فوراً؟ 
أحسست بضخامة الفعلة حينما يتحول صف من المواطنين فى طابور عيش إلى متظاهرين  حانقين على صاحب الفرن, وحينما حدثت أحدهم بالأمر بصوت هادئ يؤوب إلى الهمس.

قال ضاحكا: 
_ياراجل؟!

سكتت على حرج,ورجعت فى الصف لأحدث إحدى السيدات المسنات فقالت بصوت عالى وهى تنظر إلى "عم حسين": 
_عيب يابنى اللى بتقوله ده, ده راجل قد أبوك! 
إغتظت منهم جميعا وقررت أن أشتم عم حسين بلا أى مقدمات حتى توقفت أمامه تماما بلا حديث ,فابتسم بلطف: 
_لو سمحت يا أستاذ أقف فى الطابور! 
فرجعت إلى الطابور مطأطئ الرأس  لثانية واحدة وكلى شعور بالهزيمة والخزى  وعدت إلى المنزل بلا "عيش" وقررت ألا أشترى "عيشا" مرة أخرى.

..

عزيزى المواطن الذى يريد الإصلاح ,ويرى فسادا , لا تذهب لشراء "العيش"

ومن يصل إلى حل آخر غير عدم الذهاب  فليرسل لى الإجابة على هذا البريد الإلكترونى

msamyy8@gmail.com



الإبتساماتإخفاء