بروميثيوس يكتب: إدارة هيرميس (٥)


إدارة هيرميس (٥)
بقلم: بروميثيوس

- مرت سنوات عديدة يا هيرميس. قالها زيوس وهو يطالع حال البشر، فهز هيرميس رأسه وقال:

- ما رأيك يا كبير الآلهة؟

ضحك زيوس ورد بسخرية:

- أحسنت العمل بالفعل، أدرت الأمر بكمية من البراعة تجعلني أقف لك منبهرا. صمت قليلا ثم استطرد: التخلف، التراجع، الجهل، الأمراض، هذا ما يميز اليونان الآن. علت ضحكته أرجاء الأوليمب وهو يقول: أثينا التي كانت مقصد العلم والفنون والأدب، الآن ترفل في ثوب الجهل، الأخبار المتداولة بين الناس تدل على مستوى كبير من الجهل والسطحية واللا مبالاة، السمة الكبيرة لكل فرد فيهم هي الانهيار التام في الوعي والثقافة، وحتى طرق التحدث والتفكير.

نظر له هيرميس:

- أتعلم يا كبير الآلهة، هكذا يحق لنا السيطرة عليهم وعلى مقادير أمورهم، لم يكن الرومانيون ليفعلوا مثلما فعلنا نحن معهم، أليس كذلك؟

هز زيوس رأسه وقال بصوت عميق:

- بلى، لم يكن ليفعلوا مثلما فعلنا، أنت الآن ترى بشرا مرضى، فاسدين، جهلاء، لا يستطيعون حتى مقاومة ما فعلناه بهم، وحتى إن استطاعوا المقاومة لن يستمروا لوقت طويل، فسيخرج عليهم من بني جنسهم من يردعهم دون أن نبذل مجهودا يذكر، فقط نجلس ونشاهدهم يتناحرون، كم أنت عظيم يا هيرميس!

* * *

- ألا يزال الحقير خوليوس يخدم الأوليمب بمنتهى القوة والإخلاص؟ نطقها أحد الشباب لمن يجلس بجواره فهز رأسه بعنف وقال:

- لقد فعلوا باليونان ما لا يتخيله حتى أعداؤها، لقد دمروها عن بكرة أبيها، لن تستطيع النهوض من هذه الكبوة حتى بعد عشرات السنوات، انظر الآن للتناحر الدائر بين خوليوس ومن يعتبرهم معارضته، لقد أعطوه الخطوات الكاملة لاستمرار وجوده، حتى من حاول الوقوف أمامه في السنوات الماضية تم تشويهه، وبث روح التفرقة والتخوين، لم يبذل خوليوس مجهودا يذكر في ظل سيطرة بني البشر لكي يحصلوا على رضائه الذي يعتبرونه من رضا الآلهة!

هز الشاب رأسه بأسف وقال:

- هذا صحيح، خوليوس ما هو إلا واجهة لحقارة الأوليمب التي أفسدت اليونان، وضعنا الحالي لم يكن ليخطر بخيال أعدائنا إطلاقا، لقد روج خوليوس للمؤامرات الخارجية والعملاء والخونة، وهو من لعب هذا الدور برجاله وحاشيته، لقد انهارت حضارة اليونان بسبب محاولة الأوليمب وخوليوس السيطرة على البشر وانصياعهم لهم، العنصرية، التعالي، الغرور، الضياع، هي سمات شعب اليونان، إننا نتغنى بحضارة اليونان القديمة، لكننا الآن في سبيلنا إلى الضياع، حتى الرومان سيأخذون حضارتنا على طبق من فضة، وستنسب كلها لهم، لقد انتهى تاريخنا، سيكون مجرد أساطير، واقعنا مؤلم، حتى الأجيال القادمة من اليونانيين لن يكون لها سبيل سوى لعننا على ما وصلنا إليه، ألا يوجد حل لهذه الكوارث المتلاحقة؟!

نظر له بتساؤل، فنظر له صامتا ولم يجب.

و...

* * *

جلست "ساندرا" بجوار صديقها "نيقولا" وهي تطوي صفحات تاريخ اليونان، فسألها نيقولا:

- أكانت هناك ثمة حلول؟

أومأت برأسها بالموافقة وقالت:

- كانت هناك حلول عديدة، منها تحطيم خوليوس هذا، نشر الوعي، توضيح مساوئ آلهة الأوليمب، لكن البشر اختاروا أسهل الطرق، وبراعة العنصرية والطائفية والجهل سيطرت عليهم، وأجادوا فيها مثلما يحدث على مر العصور.

- أتعتقدين أنه بإمكاننا الآن إعادة اليونان إلى ما كانت عليه قديما من الحضارة والرقي؟

ضحكت بمرارة وقالت:

- عن أي حضارة تتحدث يا نيقولا!! لقد تحولت اليونان إلى أرض بور، انظر حولك جيدا، لقد استخدم إرث اليونان من الحضارة والآثار في التشويه والتخريب، بل والمتاجرة أيضا، لقد أثقلت كواهل اليونانيين بالديون والخراب، لقد أصبحنا أضحوكة العالم، ولكي نتخلص مما نحن فيه يجب التركيز على أمور مهمة.

نظر لها نيقولا بتساؤل فأجابت:

- العلم والصحة و...

نظر لها نيقولا يستحثها على مواصلة الكلام فقالت بحسم:

- والحرية، هكذا تبنى الأمم والحضارات، وهكذا تعود اليونان إلى سابق عهدها، ونتخلص من كل خوليوس...

و...

ليس للحديث بقية.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء