حاتم سعيد - الجمالية



 الجمالية

“ قصة قصيرة “

حاتم سعيد



تلك المنطقة التي أقيمت منذ أكثر من ألف عام , التي قد عاش بها الكثير مما قد سبقونا نجلس ولا شيء يحدث …. 
أحلام وأمنيات معطلة , مع خلفية لصوت أم كلثوم , بتلك الحياه هناك من فاز وهناك من خسر ولكل شيء وجهات نظر , لا تظن الخاسر خاسراً دوماً أو الخاسر سيظل كذلك . 
لا يتذكر منذ متي وهو يجلس هنا بين ورش النحاس والمقاهي الشعبية وبائعي الأكلات الساخنة لرواد الجمالية والحسين , مميزة تلك المنطقة برائحتها الذكية التي تلهب علي الأقل ثلاثة من حواسك الخمس !! 
صباحاً يأتي يتناول قهوته الخالية من السكر منذ سنوات مضت , ذلك المقهي الأشبه بمغارة سحرية , أحياناً يجلس وسط رواد هذا المقهي يستمع لأغرب الحكايات والعادات , في تمام الثانية عشر ظهراً يبدأ عمله في إحدي محلات بيع الحلي النسائية , لم يكن ولا مرة يهتم بزبائنه أو ببضاعته التي يقوم ببيعها فإهتمامه الأول والأخير بالناس .. رواد الشارع والمنطقة المحيطة . 
بين شباب لم يبلغ سن الرشد بعد يملؤن الشارع ضجيجاً بصوتهم العالي وضحكاتهم وألوانهم الفاقعه في ثياب حديثة الغير مفهومة !! وهم يلتقطون الصور التذكارية , وبين من أتت من إحدي القري النائية لتتبرك بالحسين لكي تضع مولودها الذي تتمناه منذ ان تزوجت ولم تنجبه وظلت محط سخرية لكل أفراد عائلتها وكان الأمل بتلك الزيارة , مقام الحسين ….. 
عم رفاعي المجذوب وتردده بين المارة منادياً بين الحين والأخر مدد وبين بعض جمله المتقطعه الغير مفهومة … أذكر الله , بائع الكشري بتلك العربة الخشبية وإبتسامه الدائم في وجه كل زبائنه أو حتي المارة من امام عربته , يشعرك بأن طبق الكشري بالنسبة إليه ليست مهنة أو وجبة بل هي رسالة سامية لإطعام الناس . 
غريب حقاً أمر هؤلاء الناس كثيراً ما يجلس أمام دكانه يفكر فيهم بمشاكلهم وحياتهم , هو يعلم بأنهم يرتضون بالقليل … يقبلون الحياه بحلوها ومرها بالنسبة إليهم يكفي بأن تعيش وتضحك , وهل الضحكة شيئاً غالياً ؟! بالنسبة لهم ؟؟ ربما غالية لأصحاب النفوس المريضة الخبيثه ولكن هؤلاء … الضحكة بالنسبة لهم ليست سوي سلاح في وجه مرارة الأيام , تلك الأيام التي تعبث بمن تشاء وقتما تشاء أيضاً . 
هو لا ينسي كلمات ذلك الرجل ذو السبعون عاماً الذي قد أتي له منذ سنوات ليرتاح قليلاً بدكانه من عناء الطريق وعندما إجتذب معه أطراف الحديث علم بأن يوماً ما كان ذلك الرجل يمتلك الكثير من الأموال , يمتلك ما يكفيه ويكفي عائلته ونسلها إلي يوم الدين حينها قال الرجل : 
– إعلم بأنك مفارق ولا تنتظر شيئاً من أحد , فكنت شيئاً فصرت لمن حولك تمتلك بعض الأشياء ليضيع كل هذا وستصبح شيئاً مرة أخري حينها سينساك الجميع , وهل سمي الإنسان من شيء سوي النسيان ..!!! 
ما قد حدث بعد ذلك ؟ لم يجبه الرجل سوي بنظرة شارده إلي الأرض وعيناه قد إحتضنت الدموع حتي لا تفارقها ….. 
ماذا قد فعل هذا الرجل ؟! وكيف ألت الأمور لما هو عليه الأن ؟! هل خسر أمواله بعملية تجارة , ربما …. هل كانت حكاية عشق … أحبها فسلبته كل شيء !! حتي هذا الأمر وارد بقوة , وما العشق شيئاً سوي مرض يصيب الإنسان , يعلم جيداً بأن الألم لو كان بأي عضو من الجسد فقد نجد العلاج أو ربما لم نجده لا يهم , حينها سنتحمل الألم ولكن أي قوة تحمل تصمد أمام جرح بصميم القلب والمشاعر ؟! وهل معاناتنا اليومية شيئاً سوي ألم قد علق بأرواحنا وقلوبنا .؟ 
هذه الأفكار دوماً ما تحيط برأسه وصورة ذلك العجوز لم تفارق مخيلته , لم تكن أعوامه الأربعون تمثل له أي شيء سوي أيام تجرها الأيام لا ينتظر أي جديد فهو لم يكن يوماً شابا تقليدياً ويذكر منذ سنوات حتي لم يفكر في الزواج . 
الأن موعد رحيله … يغلق دكانه ويذهب …. 
باليوم التالي الدكان مغلق … لأسبوع أخر … حين يقلق جيرانه من الشارع ورواده يحاولون البحث عنه , لا يجدون له أثراً …. فيكتفون بإعلان علي إحدي مساجد منطقة الجمالية يحمل صورة شخصية له وبأسفلها جملة ( خرج ولم يعد ) !!!


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء