محمود سلامة الهايشة - مثول المسدسات أمام المقام السندسي



 مثول المسدسات أمام المقام السندسي!!

بقلم: محمود سلامة الهايشة
كاتب وباحث مصري
elhaisha@gmail.com


هيا نأخذ هذا "المقام السندسي" أكثر تحت العدسة المكبرة، ونقوم بعمل مقاربة ليست بالمقارنة بين ما كتبته الشاعر/ إبراهيم رضوان في قصيدته "صليت" وبين ما كتبه الشاعر فؤاد حداد، في قصيدة "أحلف بنون"، من ديوان "على أعتاب الحضرة الزكية".

تعريف ومعنى السندس في معجم المعاني الجامع - معجم عربي .. عربي: السُّنْدُسُ : ضَرْبٌ مِنْ نَسِيجِ الحَرِيرِ أوِ الدِّيبَاجِ ، الكهف آية 31 يَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ ) قرآن ).

كتب إبراهيم رضوان عن المقام السندسي يقول:

و دعيت تعيشى يا مريميَّه معايا ..طاهره .. مخلصه

و وقفت يا مولايا .. قدَّام المقام السندسى

قالع فى نعلى و كل نفسى .. بقول لروحى اتشمسى



بينما كتب فؤاد حداد أيضا عن هذا "المقام السندسي"، قائلاً:

تركت أهل المدارك يختموا السهرة

و مشيت بطول الخليج للسيدة الطاهرة

أما المقام سندسي

أما المدد نظرة

و خد في حضنك جناين قد ما تقدر

أخضر في أخضر

و من كم الهلال زهرة

في المغربية الشعاع و الضل لما يطول

أرفع إيديّا و أقول

يا رب

خلّي المراكب تهتدي للبر

خلي النايات اللي تمدح في النبي تخضر

في الفجر و النور

و الضلام بيزول

أعيد واكرر لست في معرض مقارنة بين شعر إبراهيم رضوان، وشعر فؤاد حداد، فقط عامل مقاربة وحتى نقرب الفكرة لذهنك عزيزي المتلقي، بأن الكبار من الشعراء يكتبوا باستراتيجية فنية لها بصمة، فهنا مثلا ذكر رضوان "المقام السندسي" معرفاً المقام بأنه سندسي حيث وضع الألف واللام (الـ) قبل كلمة سندسي أي جاء معرفا، بينما عند حداد جاء بدون (الـ) كوصف للمقام.

وكما قلت في بداية تحليلي لقصيدة "صليت" لرضوان بأنه بدأ قصيدته بفعل ماضي "صليت" ثم اتبع البيت الأول بعدة أبيات تبدأ أيضا بفعل ماضي يسبقها حرف العطف الواو (و)، وهذا بالضبط ما جاء في قصيدة "أحلف بنون"، من ديوان "على أعتاب الحضرة الزكية" لفؤاد حداد، فقال "تركت"، وفي الشطر التالي "و مشيت".

ولكن رضوان تحدث عن أشعة الشمس عند الصباح والشروق ودفئها، بينما حداد تحدث عن أشعة الشمس عند الغروب، ولكنهما اتفقا عن أنك أيها الإنسان سواء أكنت تعيش لحظة الشروق أو الغروب ارفع يديك وقلب وعينك وروحك للسماء وقول يارب.

ففي وصفه لـ "فاطمه ريحان" كتب إبراهيم رضوان (ص 94)، واصفا إيها بالكثير من الصفات الملائكية، وهو متلاعبا بالألفاظ والمعاني، يذهب بك للسماء في بداية البيت الشعري، أو بالأحرى في الشطر الأول من البيت ثم ينزل بك مرة واحدة وبدون سابق إنظار إلى الأرض، ثم يفعل العكس في البيت التالي فيبدأ من الأرض بالشطر الأول وفي فمتوثانية ينطلق بك مكوك فضاء إبراهيم رضوان لأعالي السماء يجلسك على أحد النجوم كالشمس أو القمر أو أي كوكب من الكواكب، إن لم يكن مخرجك إلى مجرة أخرى غير مجرتنا - مجرة درب التبانة!!، فشاعرنا متدمر على الجاذبية الأرضية ويريد أن يظل سابحا بين السماء والأرض، بل في فضاء الكون الفسيح، ويريد أن يكسب قرائه نفس الصفة، يريدهم كالطيور المغردة السابحة ولا يمشون قدمين كالبشر، يريد أن قرأت إبراهيم رضوان أن تكتسب تلك الصفات وتصبح مختلف عن باقي البشر الذي يعيشون على الأرض، أي يكسبكم أعزاءي القراء صفات جديدة تغيركم من الداخل دون أن تشعرون!    



فاطمه ريحان

فى عنيكى ميت مليون هلال .. ساجدين معاكى ع السرير

الله على النظره الحلال .. و الشمس فى اليوم المطير

آه يا ( مُني ) يا ملاك رقيق .. بيدق في كل القلوب

طاحنه عشان ( فاطمه ) دقيق .. يا رغيف بيغفر فى الذنوب

لو تظهرى يظهر بريق .. فى الكون يخلِّى الناس تدوب

يا باصَّه دايماً بابتهال .. و عنيكى ..جوَّه سمانا طير



وطالما نتحدث عن السندس، وعن وصف الشاعر إبراهيم رضوان للأنثى، فقد كتب مسدس بعنوان "السُندسيه" (ص98)، منادي تلك الأنثى مرة بـ سُندسيَّه، ثم بـ ماركسيه ، ثم أحمديه، المهم أنها واقفة تنتظر حبيبها بطبق الطعام علي القنطرة. وكأن الشاعر لم يكتفي بالمقام السندسي الحريري، بل جعلها هي بذاته حريرية سندسية فيها كل الصفات التي يريدها الرجال، من لون ونظرة العيون، والتصرف والفعل، للوصول إلى التدين والرضا بقضاء الله وقدره.

السُندسيَّه

يا سُندسيَّه .. فى لون عنيكى .. القايده لىَّ كل ليل

يا ماركسيه .. فى نظرتك .. على كل عابر للسبيل

يا حنينه .. مهما حصل .. جوه الحياه ..مهما جرى

يا واقفه تستنينى .. بالطبق الطبيخ ..ع القنطره

لو يوم تكونى .. عشاني عبله .. هاكون عشانك عنتره

يا أحمديه .. فى سجدتك .. و رضاكى جنبى بالقليل



يريدها ماركسية في نظرت عنينها، ويريدها أحمدية في سجودها، والماركسية هي ممارسة سياسية ونظرية اجتماعية مبنية على أعمال كارل ماركس الفكرية، وهو فيلسوف من أصول ألمانية يهودية من القرن التاسع عشر. عالم اقتصاد ، فيلسوف وصحفي وثوري شاركه رفيقه فريدريش إنغلس في وضع الأسس واللبنات الأولى للنظرية الشيوعية .

استخدام الشاعر لـ ياء المخاطبة في قصيدة " السُندسيَّه" في قوله (يا سُندسيَّه- يا ماركسيه- يا حنينه- يا أحمديه)؛   وتسمى ياء المخاطبة بـ ياء افعلي، أي: يا المخاطبة ولا تدخل إلا على الفعلين المضارع والأمر فهي من العلامات المميزة للفعل، مثال دخولها على المضارع مثل: (أنت تخافين الله) وفي هذه الحالة يكون المضارع من الأفعال الخمسة فيرفع بثبوت النون وينصب ويجزم بحذف النون، ومثال لدخولها على فعل الأمر كقوله تعالى "يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ" وفي هذه الحالة يبنى الأمر على حذف النون.



كما قلنا وصل عدد تكرر لفظة "شمس" 13 مرة داخل ديوان مسدسات، وهي على النحو التالي:

شموس العم إبراهيم رضوان، بقصائد: "الفرق" (ص70)؛ وفي (ص94) مرتين بقصيدة "صليت" [شمس، اتشمسي]، ومرة بقصيدة "فاطمه ريحان"؛ وفي (ص164) جاءت مرتين بقصيدة "شاورت لك" [شمس وتشمس]، "فريده محمود" (ص190)، "مريم" (ص206) = (8 مرات ذكر رضوان لفظة شمس).
شموس الشاعر أشرف عبدالعزيز، بقصائد: "ضامن" (ص41)، "دفِّى السرير" (ص115)، " كلام الليل" (ص121)، " عزومة مراكبية " (ص133)، "رايح" (ص175)= (5 مرات ذكر عبدالعزيز لفظة شمس).
أما كلمة (شموس) جاءت مرتين فقط في أبيات ديوان مسدسات، الأولي بقصيدة "إقراري واضح" للعم إبراهيم رضوان (ص172)، إذ يقول في نهايتها:

يا عينى جداً ع الغريب ..

لو من شموس الحب تانى ينجرح

والمرة الثانية التي ذكرت فيها كلمة (شموس) بقصيدة "فريده محمود" (ص190) أيضا للعم، فكتب:

يا ساكنه فى كل الكيان .. يا منحه من عند السما

قايده شموسك فى المكان .. يا ام الخدود متبسمه



يأتي واحد واقف في آخر صفوف القراء، ويسألني سؤال وبكل عنف، وهو يصيح في وجهي، وملوحا بيده المرفوعة: لماذا الأرقام، هو أحنا في حصة رياضيات أو حساب حتى نجلس نعد عدد كلمات تكرار هذه اللفظة أو تلك، ما هي فائدة هذا العد وتلك الأرقام؟

ابتسم ابتسامة مليئة بالبهجة مجيبة:

أولا أني اشكرك شكراً جزلا على هذا السؤال، فهناك قاعدة ذهبية في مسألة التعليم والتعلم تعلمتها أثناء دراستي الجامعية الأولى، عندما ضحكت ومعي زملائي عاد واحد سؤال أستاذ المادة سؤالا يبدو ساذجاً أو بسيطاً، فرد الأستاذ على ضحكنا بعدما انتهينا قائلا: هل أنتم متأكدين أنكم جميعا تعرفون الإجابة الصحيحة لهذا السؤال الذي سأله زميلكم هذا؟!، يا ابنائي هناك قاعدة تعلمتها من اساتذتي وسوف انقلها لكم الآن "لا يوجد سؤال غبي.. بل يوجد إجابة غبية!!". بالمناسبة ووفائي لهذا الاستاذ الجليل، هو أ.د. ياسر مختار الحديدي – عميد كلية الزراعة جامعة المنصورة منذ ثلاثة سنوات وحتى كتابة هذه الدراسة (منتصف يناير 2017).
ثانيا عزيزي القارئ السائل، هل تظن لو ذكر شاعرينا رضوان وعبدالعزيز مثلا لفظة شمس مرة واحدة أو مرتين، أني كنت استرسلت كل هذا الاسترسال في إبرازها بهذا الشكل الموسع، بالطبع لا. 
يعرف "علم معاني الأعداد"، "العداده" أو "دراسة معاني الأعداد" أو "علم الأعداد" (بالإنجليزية Numerology): بأنه أي من الأنظمة، العادات أو المعتقدات التي تفسر وجود علاقة روحية أو باطنية بين الأعداد والأشياء الجامدة أو الحية. قديما، عرف الرياضيون الأوائل، مثل فيثاغورث، علم الأعداد والتنجيم بقراءة معاني الأعداد. حديثا، لا يعتبر العلماء أن هذا العلم جزء من عالم الرياضيات، بل يُعِدونه من الرياضيات الدخيلة والمزيفة. ولكنهم يحسبونه أساس لتطور المعرفة الحسابية مثلما تطور علم الفلك من علم التنجيم والكيمياء من الخيمياء القديمة. وفي يومنا هذا، يرتبط هذا العلم بعلم  الغيبيات والسحر جنبا إلى جنب مع الأبراج، وقراءة أوراق الطاروت وفنون التنجيم الأخرى. فعندما تطلع على قراءة للأعداد الخاصة بك، ستجد نفسك تتغافل عن الأجزاء التي لا تنطبق عليك، وتركز على الاجزاء التي تبدو ملائمة. ويمكن ان تجد ان بعض الصفات مطابقة لك في الحين انها غير موجودة عندك، لكنك تريد ان تكون بهذه الصفات. الاعتقاد بعلم الأعداد يقع ضمن الأمور التي نصدقها ضمن تأثير فورير "لدينا شيء لكل واحد من الجمهور".


الانشطار الشعري في الشعر العامي:

الشيء بالشيء يذكر، وطالما نحن نناقش الشمس كمفردة شعرية، وبالتالي نحاول دراسة الشموس التي لا حصر لها في الشعر العامي المصري، فالشموس مثل البصمة، بصمة اليدين والقدمين والعينين بالإضافة لبصمة الصوت، فلكل شاعر شموسه الخاصة، ولفظة الشمس واحدة، ولكن كيفية توظيف الكلمة هنا تظهر مقولة "لكل شاعر مفرداته، فبرغم أن إبراهيم رضوان وأشرف عبدالعزيز في ديوان واحد، ويكتبون بنفس اللسان الشعري، ويبنون القصيدة بالشكل السداسي، هذا ما اتفاق عليه، أما في يد الإنسان الواحدة أصابع خمسة مختلفين في الطول والحجم ومتفاوتين في البصمة، واليد اليمني غير اليسرى حتى ولو بنسبة (0.1%) أي واحد من عشرة في المئة وليس حتى واحد صحيح (1%)، لهذا يمكنني أن أقول بكل ثقة، بأن القالب الشعري المسدس الموجود في ديوان "مُسدسات"، ما هو إلا جسد واحد له يدين اليمنى هي يد العم إبراهيم رضوان، واليسرى هي يد أشرف عبدالعزيز، ولكن مسدس رضوان يطلق طلقات متباينة أحيانا ومتشابهة أوقاتا ولكن هدفها في النهاية واحد، والهدف هنا ليس بالمعنى اللفظي المفرد، فللهدف مستويات كثيرة لتحقيقه، فمثلا هدف الدولة النمو والتنمية، ولتحقيق هذا الهدف الأعلى، هناك مئات الألوف من الأهداف الأقل في المستوى، وهذا هو المقصود من تحقيق الهدف الشعري لتجربة المسدسات الشعرية باللهجة العامية المصرية.

يكتب شعرائنا عن الشمس والنجوم وهي بالسماء، ولكننا نعيش على الأرض، فطوال النهار والشمس مشرقة نستمد منها الطاقة الحرارية والدفء، ولكن ماذا يحدث طوال الليل، وطوال أيام الشتاء القصيرة وليالي الطويلة، وسط غياب الشمس وحرارتها، من سيدفئ أرواحا سوى الكلام الجميل، وكلام أنواع، كلام السماء في الكُتب المقدسة "قرآن وإنجيل"، مثله مثل الشمس الربانية، وكلام النفوس الراقية المبدعة، كأبيات الشعر التي ينظمها الشعراء، وهي كلام الأرض، لذا يعتبر ضوء الشمس المصدر الرئيسي للطاقة على الأرض؛ وعلي الجانب الآخر فالمصدر الآخر للطاقة هو المواد الانشطارية في باطن الأرض، وهذه المواد الانشطارية هي مصدر الطاقة الحرارية الأرضية عن طريق حدوث تفاعلات نووية. وعلى غرار ما يحدث من تفاعلات انشطارية بين المواد في باطن الأرض، يقوم العبدلله كاتب تلك السطور "محمود سلامه محمود الهايشه" كما جاء ببطاقة الرقم القومي، بعمل انشطار نووي للشطرات والكلمات والأبيات الشعرية حيث قمت باستبدال المواد المختلفة في باطن الأرض بالقصائد الشعرية، وإحلال بيئة الأرض بإقامة مفعل أو بالأحرى مخمر بيولوجي داخل خلايا عقلي، بدمج الفصين الأيمن والأيسر من المخ، ومده بالمعلومات والمعارف لإنتاج المعرفة، بدلا من استهلاكها فقط، و يا ليتها معرفة محلية الصنع بل مستوردة، والآن نعيش في مصر ونحن في بداية العام 2017 أزمة طاحنة بسبب ضعف الحصول على العاملات الأجنبية، وبالأخص الدولار، فليس معقولا أن نظل مستوردين لكل شيء، المأكل والمشرب والملبس والمسكن وحتى المعرفة!!

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء