سناء عبد العزيز - أين نذهب يا بابا..؟ نوبات من الضحك والبكاء


 أين نذهب يا بابا..؟ نوبات من الضحك والبكاء

 بقلم: سناء عبد العزيز  

(عزيزي ماتيو
عزيزي توماس
وأنتما لا تزالان صغيرين راودني ذات مرة إغواء أن أمنحكما كتاب، تان تان مثلًا. كان بوسعنا الحديث عنه فيما بعد. أعرف جيدًا تان تان، قرأت كتبه كلها أكثر من مرة. لم أفعل ذلك أبدًا، لم يكن لهذا داع فأنتما لا تعرفان القراءة ولن تقرءا أبدا، ستكون هداياكما حتى النهاية مكعبات أو سيارات صغيرة).




هكذا يخط جون لوي فورنييه الكاتب العالمي الفرنسي أول سطوره لولديه، اللذين لن يقرءاها مطلقًا، مُنطلقا من شعور ما بالذنب يتضح شيئا فشيئا كلما أوغلنا معه عبر روايته الحائزة على جائزة الفيمينا 2008 (أين نذهب يا بابا) الصادرة عن سلسلة الجوائز بهيئة الكتاب – ترجمة أيمن عبد الهادي.. مُصدرا العنوان كما الطلقة الوديعة التي لا تدرك قوتها إلا حينما تستقر في القلب والتي تقودك رغما عنك إلى شعور كوني بالربكة والهزال.


ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقسوة، ضمن عدد لا حصر له من الأسئلة لا يني الكاتب الأب يوجهها عبر السرد – لاشك إلينا نحن؛ هل نملك من الأمر شئ فيما يتعلق بأطفالنا، سواء أكانوا متميزين أم متوسطين أم متخلفين، بالطبع لا، لسنا سوى نقطة باهتة في هذا الكون لا نملك المقدرة أن نخط أثرًا، فالطريق معد لنا سلفا وما علينا سوى اتباع الأثر.
يصبح من المتعذر بعد أن ننتهي من قراءة الرواية أن نفتخر بأولادنا كما تعودنا، يباغتنا الشعور بالسفه والخجل إزاء ما يحدث للآخرين الذين لا يملكون ميزة الفخر اللعينة بنسلهم.
 وللوهلة الأولى يبدو السؤال طفوليًا يند بتلقائية من فم أي طفل طبيعيا كان أم غير طبيعي؛ لا ينطوي على لؤم ما، ثم تشعر بغتة بالخديعة، وكأنك غر تم الهاؤك بقطعة صبار مغلفة بالحلوى.


فورنييه الكاتب الماكر


تعتبر رواية أين نذهب يا بابا؟ بمثابة سيرة ذاتية لفجيعة الكاتب، فالسماء تهبه من ناحية وقانون الوراثة الصارم يلعب لعبته اللعينة؛ فيكتشف الأب بعد وقت قصير أن ابنه الأول مُعاق، شئ ما لا يحدث إلا مرة واحدة، ولكن فورنييه الأب يتكرر معه الحدث الاستثنائي فيولد ماتيو طفله الثاني  ويكتشف أنه الآخر معوقًا؛ كان ماتيو متخلفا وسيبقى دوما متخلفا هكذا يقرر الأب بشجاعة تقطع الحشايا.


أين نذهب يا بابا؟ هو السؤال المكرر والوحيد على لسان توماس طفله المُعاق- مع كامل الاعتذار والتفهم لمشاعر أب لا تروق له تلك المفردة التي تعني ترجمتها الحرفية اليد في القبعة- كلما صعد معه السيارة الكامارو، وكلما أجاب الأب على سؤاله، ظل توماس يكرره بثبات وكأنه لم يتلق اجابة بعد!
أما ماتيو الصغير فيلقي بالكرة في ركنٍ ما كل عدة دقائق ويطلب من أبويه مرافقته للبحث عنها، لا يطمئن إلا عندما يمسك أحدهما بيده، وكأنه هو أيضًا السؤال ذاته ولكن عبر حاسة أخرى لا تتوسل بالكلمات: أين نذهب يا بابا؟
لا نعرف تماما أين سنذهب يا توماس المسكين سنضيع. سنذهب إلى الحائط مباشرة.
سنسير في الطريق السريع عكس الاتجاه.
نذهب إلى ألاسكا. سنداعب الدببة. سنجعلها تنهشنا.
سنذهب إلى حيث يوجد عش الغراب. سنجمع فطر الأمانيت ونصنع منه "أومليتًا"
سنذهب إلى حمام السباحة، وسنقفز من على شرفة الغطس العالية في حمام السباحة وهو خال من الماء.


ماذا يكون بوسعك أن تفعل مع طفلين معاقين، يقضيان أوقاتهما فاغري أعينهما في الفراغ؟ جسداهما رخوان كعروسة من الشيفون وكأنه بلا عمود فقاري ولهذا لابد من دعامات يتم تبديلها تقريبا كل عام؟ فيحس دائما وهو يسير قافلا الى البيت أنه يصاحب انسانا آلي!


رغم أن الحدث مصائبي الا ان الكاتب يروي فيما هو بين السيرة الذاتية والخيال الأدبي بعيداً عن أي صوت مرتفع؛ فلا يبكي أو يتحسر علي طفليه وحالتهم التي يعيشونها، بل بمنتهي العادية يُصدر لنا حقيقة أن تكون مُختلفا عن الجميع مهما تعددت الأسباب والصور لذلك أعتبر نفسك مُختلفاً فقط ومن ثم متميزاُ بشكل أو بآخر، وبهذا لم يقع في شِرك البكاء أو الغنائية في السرد.


 كيف نتعرف إلى طفل غير طبيعي؟
يشبه طفلا غير محدد المعالم، مشوها.
كما لو كنا ننظر إليه عبر زجاج أكمد.
لن يصبح واضحا أبدا.


في دفقات شعرية قصيرة كتلك يُطلقها فورنييه كما شخصٍ يغالب البكاء مصطنعا الضحك، وأحيانا التمادي فيه، فتدرك عظم ألمه وكيف تقودك رحلتك الأرضية إلى الشعور بالعبث؛ فكلما تقدمت للأمام تضخمت كارثتك أمام عينيك، فهي قائمة تتحرك معك أينما تحركت، كما ظلك سيقع أمامك لا محالة كلما سقط عليه ضوءًا ولو واهنًا.
"سأمنحكما كتابا، كتابا كتبته لأجلكما، حتى لا ننساكما، حتى لا تبقيان فقط صورة علي بطاقة عدم الأهلية، أردت كتابة أشياء لم أقلها يوما، ربما تبكيتا، لم أكن أبا صالحا بما يكفي، لم أحتملكما في أغلب الوقت، كان من الصعب أن يحبكما أحد، معكما كان يلزم صبر الملائكة، ولم أكن ملاكا."


وقبل أن يسرد علينا وقائع تلك الحياة الكارثية يبدأ في سرد ميزة أن يكون لديك طفلا معوقا، فبفضلهما؛ توماس وماتيو كان متميزا عن آباء الأطفال الطبيعيين. لم ينشغل بتعليمهما ولا بتوجههما المهني، لم يكابدا هو وزوجته التردد في الاختيار بين التخصص العلمي والأدبي والأهم كما يقول الأب الراوي استفاد مجانا ولسنوات طويلة بسيارة مجهزة وكان بوسعه أن يسير بعربات أمريكية ضخمة.


بعيدا عن الوسطية


أن تكون في الوسط ليست بميزة؛ معظم الآباء يرزقون أطفال طبيعيين، فما الذي يعنيه طبيعي؟ يعزي فورنييه نفسه بأنه يفضل هؤلاء الذين يبعدون عن الوسط، من يفوقونه ثم يتساءل لماذا لا يقلون عنه، فهذا هو المعنى الحقيقي لديه للاختلاف أن تبتعد عن الوسط أن تختلف عن الآخرين تفوقهم أو تقل عنهم!
هكذا يبحث الأب عن ميزة لإلحاقها بولديه فلا يجد غير تلك الميزة التي خلفها يكمن العيب نفسه، ألا وهي كونهما مختلفان عن الآخرين، ابتعداهما عن النمطية والعادية والتكرار حتى وان كان في الاتجاه المعاكس!
فهل قصد فورنييه اضحاكنا كما يبدو من طريقته الهزلية في التحدث عن شئ لا يلقى عادة قبولا اجتماعيا كعاهة، هل قصد الخفة بعيدًا عن الثقل والبكاء؟ ربما لا. لعل التوصيف الأدق هو ان فورنييه كاتبا ماكرا يسحبك بهدوء إلى ساحة الهزل حتى إذا اندحت معه راودتك الرغبة في البكاء المرير.


“ربما سنتفاهم أخيرًا في السماء، ثم بعد ذلك وبوجه أخص سنجد ثانية جدكما. هذا الذي لم يكن بمقدوري أبدًا أن أحدثكما عنه هو الذي لم تعرفاه قط. ستريان أنه شخصية مدهشة، سيعجبكما قطعًا وسيضحكما.
سيصطحبنا في نزهات وسيسقيكما، هناك بالأعلى لا بد أن نشرب نبيذ العسل.
سيسير بسيارته بسرعة، بسرعة شديدة، شديدة جدًا.
لن يكون ثمة ما نخشاه، فقد سبق وأن متنا“.


و كلما استدرجنا فونييه للضحك لاحقنا بالدفقة التالية، دفقة من البكاء المرير والخجل حين نصدقه ونضحك معه وهو يواصل السخرية من إعاقة ولديه، كما أمواج تلاحق بعضها بعضًا، وكأننا في خضم الحياة التي تشبه محيطا ينساب حول أجسدانا فنحس بالدغدغة تلك التي يعقبها الخطر المحدق، ونكتشف أنه ظل طوال الوقت يسخر منا نحن القراء البلهاء وقد أغرانا بالعنوان البرئ للغاية والماكر، وكأننا عرائس يحركها القدر بخيوطٍ لا مفر منها : فأين نذهب يا بابا؟




سناء عبد العزيز ،،





شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء