حسام الخطيب - قدح الشاي





قدح الشاي

بقلم / حسام الخطيب







سكب شلال الماء الساخن في بطء مثير ، وهو يراقبه يعانق حبيبات السكر داخل القدح الزجاجي في حميمية، أحس بشعور بالسعادة يملؤه ، ولما لا وهو اول قدح للشاي يحتسيه منذ الصباح، التقط ملعقة فضية صغيرة بين انامله وهو يقلب بها الشاب ليفني ما بقي من حبيات السكر، وكانه يحررها من مرحلة الشرنقة التي هي لا شئ الي مرحلة الفراشة التي هي كل شئ ، ولوهلة شرد في سحب البخار المتصاعد من الشاي مع افكار فلسفية تافهة لا قيمة لها.

تساءل في قرارة نفسه عن الشعور الذي لدي حبيبات السكر لو كانت تشعر تحت الماء المغلي ، ماذا لو كانت حبيبات السكر تشعر ولكن لا تقدر علي الكلام ، هل يشبه الالتحام بين الشاي والسكر بحميمية العلاقة بين الذكر والانثي

اخذ قدح الشاي الي الشرفة ووضعه علي حافة افريزها وهو يشاهد غروب الشمس من بعيد وتسائل كيف كان سيكون شكل العالم لو لم يكن هناك شاي ، هل كان سيحب القهوة، أم انه سيلجأ اليها لانه لا بديل لها

في رأيه القهوة تختلف عن الشاي ، فهما ليسا متماثلان في الطعم واللون والرائحة، ولكنه يعتبر القهوة مشروب من يريد التركيز، اما الشاي فمشروب من يريد الشرودن مع سحائب الدخان والبخار المتصاعدة من اقداح الشاي يمكنك الشرود في أي شئ ، وهو ليس شرودا بتفكير، فلن تنهي حل معادلات رياضية او تحل لغزا بوليسيا اثناء ذلك، بل شرودا يأخذك من كل عالمك وواقعك وامالك واحلامك والامك ، ليلقي بك في قعر بئر لا قرار لها ، الي فضاء سرمدي لا نهاية له، بلا افكار او احلام ، وكأن اسمك وشخصك يذوبان في كيان واحد اسمه لا شئ ولا احد

أرتشف اول رشفة من قدح الشاي، آه لو قدر له ان يصفها ، تشبه اول قبلة لفتاة، اول راتب نتحصل عليه بعد عمل شاق، اول مره سافر بها، هي الشعور باللذة، منتهي اللذة، ابتسم في قرارة نفسه ، أدرك ان كل الاشياء لها بعد فلسفي حتي قدح الشاي

ارتشف الرشفة الثانية ، حاول ان يفلسف طعمها ، فلم يجد، ربما المرة الثانية من الشئ ليست بذات طعم المرة الاولي ، هي فقط للمقارنة ، تقارن زواجك الثاني بزواجك الاول ، ابنك الثاني بابنك الاول ، بيتك الثاني ببيتك الاول ، هي فرصة للتاكد كذلك، تتأكد من انك اخطات او اصبت

نظر الي القدح وهو يوالي الرشفات ، يحاول ان يستحلب اللذة بكل اشكالها ، أغلق عينيه بقوة مع بعض الرشفات ليكتشف لذة اخري هي لذة الكفيف في التذوق، للشراب طعم احلي وانت تشربه مع عينان لا تري، ربما لانك تعزل حواس النظر ليحتل محلها حوا س التذوق، انف يشم ولسان يتذوق

قاربت الرشفات علي الانتهاء، بقي رشفة واحدة اخيرة، أحس بها مثل بوابة الجنة ، هي اخر ما تراه، وما لا تريد التفريط به ابدا، هو كغيره يدرك ان الرشفة الاخيرة في اي كوب تعادل الكوب كله ، لذا كان يحرص حين يتقاسم الكوب مع اي شخص علي ان يترك له النصف الاول ليستمتع هو بلنصف الثاني والاخير، بطعمه الاحلي والاشهي، وبالذات ليتمتع بمذاق الرشفة الاخيرة ولا شئ يضاهيها، هي تشبه لفافة التبغ الاخيرة التي يدخنها من هو مقدم علي الموت تشبه الحب الاخير في حياتك الذي ينسيك عذابات ما قبله، تشبه المفتاح الاخير لديك الذي يفتح الباب بعدما تفشل بقية المفاتيح

أنهي الرشفة الاخيرة وكانه يلعق القدح لعقا، قبل ان يضحك ضحكة نصف مبتورة لخيالاته، نظر الي الشمس الراحلة وهو يتسائل هل الكون معقد ام بسيط ، أكوب شاي يحتاج كل هذه الفلسفة والتأملات ، ماذا عن غروب الشمس هل يشبه الوفاة ام الميلاد الجديدة، ام استراحة محارب تعب ، ماذا عن المد والجزر، ماذا عن الخسوف والكسوف، ماذا عن حركات الطير في السماء، ماذا عن موسم التزاوج لدي حيوان الطلطميس ، ان كان هناك حيوان بهذا الاسم

أحس برغبة في كتابة خواطره، امسك باجندة قديمة يحتفظ بها لتدوين مواعيده واعماله العاجلة، جلس يكتب كلمات غير مترابطة ، الموت، موسم الشتاء، هجرة السلمون، عم ادريس الساعي، الباذنجان المقلي، رائحة التراب بعد رش الماء عليه، كلمات غير مترابطة، أخذ يفكر كيف يمكن ان يوجد فلسفة داخلية عميقة عن كل كلمة من هذه الكلمات، اعتصر مخه بحثا ، عجز عن ايجاد العلاقة او الفلسفة، اغلق اجندته وهو يبتسم قائلا لنفسه

- الامر يحتاج  الي قدح، قدح شاي 


الإبتساماتإخفاء