نجاة الماجد - قُل للمليحة



قُــل للمليــحة   


 نجاة الماجد
شاعرة وكاتبة وإعلامية سعودية


من أطرف القصص التي تناقلها الناس عبر العصور  قصة أول إعلان تجاري للخمار الأسود  وهذه القصة تدور أحداثها في العصر الأموي الأول، حيث عاش ( مسكين الدارمي ) وهو أحد الشعراء والمغنين الظرفاء في الحجاز ، وكان يتشبب ( يتغزل ) بالنساء الجميلات، إلا أنه عندما تقدم به العمر ترك نظم الشعر والغناء وتنسك وأصبح متنقلاً بين مكة والمدينة للعبادة وفى إحدى زياراته للمدينة التقى بأحد أصدقائه وهو من أهل الكوفة بالعراق ويعمل تاجراً ، وكان قدومه إلى المدينة للتجارة ويحمل من ضمن تجارته (خمر عراقية) ـ بضم الخاء والميم ومفردها خمار بكسر الخاء ـ وهو ما تغطي به المرأة رأسها ، والمعروف الآن عند النساء ( بالمسفع أو الشيلة) ، فباع التاجر العراقي جميع الألوان من تلك الخمر ما عدا اللون الأسود ، ) فشكا التاجر لصديقه الشاعر مسكين الدارمي عن عدم بيعه اللون الأسود ولعله غير مرغوب فيه عند نساء أهل المدينة فقال له : ( مسكين الدارمي ) لا تهتم بذلك فإني سأنفقها لك حتى تبيعها أجمع ، ثم نظم ( مسكين الدارمي ) بيتين من الشعر و تغنى بهما كما طلب من مغنيين بالمدينة وهما ( سريح وسنان ) أن يتغنوا بالبيتين اللذين قال فيهما : 

قل للمليحة في الخمار الأسودِ    =  ماذا فعـلت بـناســك مـتعبـــدِ 
قد كان شـمّر للصلاة ثــيابــه   =   حتى وقفـت له بباب المسجـد 

و أضاف إليهما أحدهم بيتين آخرين هما   

فسـلبت منه دينــه ويقـيـنــــه   =   وتركتـه في حــيرة لا يهتــدي 
ردي عليه صلاتـه وصيــامــه   =  لا تقـتـليـه بحـقِّ دين محمــــد 

فشاع الخبر في المدينة بأن الشاعر ( مسكين الدارمي ) رجع عن تنسكه وزهده وعشق صاحبة الخمار الأسود ، فلم تبق مليحة إلا اشترت من التاجر خمارا أسود لها  فلما تيقن ( مسكين الدارمي ) أن جميع الخمر السوداء قد نفذت من عند صديقه ترك الغناء و رجع إلى زهده وتنسكه ولزم المسجد  ومنذ ذلك التاريخ حتى وقتنا الحاضر والنساء يرتدين أغطية الرأس السوداء . ولم يقتصر هذا على نساء المدينة وحدهن بل قلدهن جميع النساء في العالمين العربي والإسلامي وهكذا يكون أول إعلان تجاري في العالم أجمع قد انطلق من المدينة المنورة .

والجدير بالذكر أن الأبيات آنفة الذكر قد سارت بها الركبان وعلى نهجها نظم عدد كبير من الشعراء قصائد ذات مطالع شبيهة بذات المطلع السابق ومن هؤلاء الشاعر العباسي كشاجم الذي نظم على نهج هذه القصيدة أبياته التي يخاطب فيها محبوبته قائلاً:

قل للمليحة بالخمـار الأكـحلِ   =   كالشمس من خلل الغمام المنجلي 
لا تقبلي قول الوشاة ، فإنني   =   لم أصغ فيك إلى مقال العذّل

ومن المتأثرين بذات المطلع كذلك الشاعر أحمد بن مشرف الوهيبي وهو فقيه مالكي سلفي العقيدة من أهل الاحساء حيث كانت له  هو الآخر قصيدة غزلية على نهج القصيدة السابقة وكان مما جاء فيها :

قل للمليحة في القميص الأحمر  =  ماذا فعلت بعابد مستبصر
ما زال يدأب في العبادة طالبا   =    للعلم غير مفرط ومقصر
ترك الصبابة للصبا متسلياً    =   عن ذكر كل غزالة أو جؤذر
حتى وضعتي عن محياك الغطا    =    فانجاب عن بدر منير مقمر
سبحان من وهب المحاسن من يشا  =  سبحانه من خالق ومصور


أما الشاعر كريم العراقي فقد كانت له قصيدة غاية في الدهشة أفردت لكل لون من ألوان قمصان المليحة أبيات مستقلة  فنجده تارة يتغزل بالمليحة ذات القميص الأبيض وتارة بذات القميص الأسود فالأصفر  فالفستقي فالأخضر فالبني فالأحمر  فنجده مثلاً ينصح  ذات القميص الأبيض  بأسلوب أقرب للفكاهة منه إلى الشعر قائلاً :

قل للمليحة بالقميص الأبيض   =   مطر وبرد حلوتي لا تمرضي
هل تسمحي لي أن أعيرك معطفي؟   =   والرأي رأيك  .. إنما لا ترفضي

ويقول في أبيات أخرى لذات القميص الأصفر :

قل للمليحة بالقميص الأصفر   =   كم سعره حتى قميصا أشترى
هي نزوة مني لا كتب فوقه   =   تلك التي هزت جميع مشاعري

 ,,,,,
وبما أن الأبيات آنفة الذكر كانت كلها تنحو منحى واحد وهو التغزل بالمليحة أياً كان لون خمارها أو قميصها غير أنني سأختم هنا بقصيدة لأحدهم يخاطب فيها المليحة ذات الخمار الأسود ولكنه ليس خطاب غزل وإعجاب وإنما خطاب موعظة ونصح وتذكير بالله واليوم الآخر حيث يقول هذا الشاعر الواعظ  في قصيدته :


قل للمليــحة بالخمار الأسود  = .بوركت ان طبـَّـقت نهـــــج محمـد
وهجرت من يدعوك نحو ضلالة   =  وبغيـــر هدى المصطفـــى لم تقتدي
وأطعت أمر اللـــــه في فرقانه  =  ســـبحانه من آمر ٍ متفـــرد
أختــــاه يامن بالحجاب تزينت  =  و لحُلّة الايمان صــــارت ترتدي
صانت عن الانظار أغلى دُرةٍ  =  فغــدت بثوب عفافــــها كالغرقد
قد صرت للإسلام خير دلالة ٍ  =  نورا ً اليه الشـــــاردات ستهتدي
فطرحت أزيـاء الضلالة جانبا ً= وســموت ِ في دنيا الفلاح السرمدي



الإبتساماتإخفاء