ولاء الشامي - الله.. يا الله




   "الله.. يا الله" 

بقلم: ولاء الشامي

يا إله السماوات .. 
هذا البرد صار يكسوني .. 
هذا الحزن صار يتملكني ..

منذ فترة لا أعلم إن كان قصيرة أو طويلة صرت كيانا غريبا عني، يخطو نحو المسخ بقدمين غير ثابتتين، أنتظر ذلك الوتد الذي سيغرس في قلبي، أو تلك الشمس التي ستهشمني كأن لم أكن، ككل المسوخ صرت أخطو نحو كل ما يدمرني راضية قريرة العين، مطمئنة بلا أي داع للاطمئنان، أنتظر طعنة من الخلف يصرخ قاتلي المؤمن على إثرها " فلنحمد الرب "

"معملش حاجة تستحق الذكر، غير إنه لسه واقف على رجليه".

قدماي اللا ثابتتين أقف بهما على الأرض؛ لأثبت أني هنا، أني لم أمت بعد، رغم كل ما مات فيا لم أمت، "فأنت تعيسة يا حبيبتي؛ لأن تيار الحياة فيك لم يمت"، أخاطب نفسي كما لم يخاطبني حسين من قبل، ثم يزعجني هذا الأمل اليائس في حياة لم أختر ملامحها. 

أنا لم أختر السفر بعيدا عن أمي، لم أختر دموع أبي التي اجترجها على خيبته في، لم أختر أن يحزن أطفال الشارع وقططه الطيبات بعدي. لم أختر تلك الطفولة التي عشتها معذبة كامرأة جميلة في الخمسين انفض عنها مريدوها.

أدين حقا باعتذار لأطفال الحي عن تلك الامسية التي وعدتهم فيها أن أجمعهم في دفء الحكايا، أعتذر؛ إذ لم أجد حكاية واحدة تصلح لسني عمرهم المزهرة.
لم أجد نفسي، وأنا لم أختر أن أغترب عن نفسي، ولكنه بين الجميع اختارني، وألقاني في حضن ملئ بالشوك، هذا الحزن الذي صار يتملكني.

ابتسمي لي يا أمي؛ أشعر دوما بأنها المرة الأخيرة، ابتسمي لي؛ لأزداد طهرا، عانقي حزني، حوليه لفرح خالص. لا تجيب أمي  سوى بدمع تهدينيه لعله يخلصني، ولا يخلصني! 

تيار الحياة في يجرفني نحو النجاة وأنا لا أريد، أغرق في البحر وتمر علي السفن ترجوني أن تجملني على ظهرها، وأنا لا أريد.
أريد حقا أن أخنق تيار الحياة الساري في روحي، ولكنه لا يريد. 

"يومي ليل وبعده نهار، عمري قدامي عم ينقضى". 
بهذا اليأس الذي ملأ صوت فيروز، أتابع حياتي مجبرة على مراقبة الأيام تمضي، بلا فعل، بلا حركة، مؤخرا صرت بلا انتظار. 
كنت أحسب أني حين أتخلص من الانتظار أتحرر، ولكني كنت واهمة، حتى ذلك الانتظار المعذب هو ما يحرك في صاحبه تلك الرغبة في الحياة.
والآن.. صارت تلك الرغبة لعينة، ككل المسوخ الذين يحتلونني ويركضون داخل نفسي. 

آه يا آلهي الرؤوف.. 
عذابات تلك الحياة لم أعد أحتملها، خاطبتك كثيرا كثير، واعترضت على حكمتك في سري، ظننت لبرهة أنك لا تسمعني، ثم استغفرت وتبت. وناديتك "الله يا الله". 

"الله يا الله"

متى ستخلصني؟ 
لا. ليس بسؤال اعتراضي على حكمتك العظيمة. ولكني تعبت، تعبت اكتئابا وحزنا وطول تفكير. 
تعبت يا الله من هذا العابر الذي لا يتوقف في صدري ويثبت، يذهب عنا وهناك، ولا يعود إلى إلا مكسورا لأداويه. 

أنا حزينة يارب، ولا شئ في هذا العالم قادر على أن يمسح الحزن عني إلاك.
هم يدعونني إلى الفرح، إلى خلق جديد داخل صدري، وأنا لست بخالقة، لأخلق فرحا كاذبا، لن أكون كذلك المثال الذي لا يسبح بعظمته تمثال صنعه بيده، يلعنه صباح مساء في ورد يومي رتيب؛ إذ خلقه ولكن لم ينفخ فيه من روحه. 

هل ستغضب علي ربي؟ أنا لا أحتمل أن تطردني، أن أطرق الباب ولا يفتح لي. 

"إن جئت بابك عاجزا؛ أنا لست أملك غير بابك"
أعود بعد كل مرة يئست فيها إليك، أبكي ويفتتني الندم، و
أصرخ وأناديك، ألا تسمعنى يا رب؟ 
بلى. تسمعني، ولكن ليطمئن قلبي، هبني إشارة، هبني نورا من نور يدك أتلمس به الطريق، هب لي من لدنك حياة تعيدهي إليك. 

هب لي نفسا جديدة، وأغثني يارب؛ فأنا أخاف أن أقابلك الآن، وليس معي سوى يأسي هذا، وخطاياي الصغيرة.


الإبتساماتإخفاء