محمد الكامل بن زيد - وجه كرتوني



قصة قصيرة : وجه كرتوني

بقلم: محمد الكامل بن زيد 
.بسكرة.الجزائر

هكذا ثمة أشياء تستوقفك دون أدنى إشارة .. بعد أن تثاقلت خطواتك المترنحة .. واهتزت قوى قدميك النحليتين لتخور في ارتباك .. تستعجل  جلوسك على المقعد الاسمنتي ..لحديقة " صوفيا"..تجبرك على أن تأخذ من علبة سجائرك ما لا يقل عن عشر ..دفعة واحدة ..رعشة متجبرة تقتل ما سبقها من رعشات.. قلق عصيب يجتاح جسدك النحيف ..في الوهلة الأولى ظننت أنه  لا حدث غير أنه رويدا رويدا ازداد عطشا الى مآرب أخرى ..يتوغل ناخرا كيانك  المشهود له بالعزيمة والمقاومة ..يتوقف عن الحركة حيث تعتريه نوبة مجنونة تشله عن المشي قيد أنملة ..طفلتك الصغيرة " آلاء ماريا " تصر إيما اصرار على التشبث بكم قمصيك أن أحملني ..تريدك أن تلعب معها  بعد  أن تسحق ما تبقى من السيجارة الأخيرة ..تريدك  أن  ترفعها  إلى السماء كما اعتادت واعتدت أنت ..
تتفرس فيها جليا ثم تخفض رأسك  كالأشرعة المبحرة في متاهات البوح الصامت ..في أفق غائم  أشبه ب... ..لم تفقه كيف شددت على  يديها الصغيرتين ..ولا كيف أنك لم تنتبه إلى تأوهاتها وعبراتها المسكونة بالحيرة والدهشة ..بحثت مليا في عيونها العسلية كما بحثت هي في عيونك العسلية عن إجابة  لسؤال  واحد لا غير ..كيف سمح  لهذا الصمت المتوحش أن ينساب بينكما ..كيف له أن يستبد و يقف حاجزا بينك وبينها وبين السماء .. 
أقصى ما تحاول أن تتذكره أنك كنت سعيدا هذا الصباح ..منشرحا إلى حد بعيد ..فقد قدر لك أن تسرق من زمنك المتقاطع مع العديد من الأزمنة المبعثرة هنا وهناك ..القليل من الساعات كي تحفل  مع بعض من أنفاسها البريئة ..
- ألا يحق لنا يا أبي أن نلعب معا ولو ساعة  ..
- هذه المرة ..أنا ملك يمينك
- يا الله يا أبي ..كم أنت رائع هذا اليوم 
كثيرون من أمثالك رددوا بمرارة مصرين في آن واحد أن لا خيار ..فكل أزمنتهم محاصرة بسياج حديدي صدأ ..بالكاد يسمح  لهم بالفرار لساعات لا تروي الظمأ ..حتى أن الكثير منهم نسي متى يأتي زمنه ليفر .. وكم منهم تساءل : أيحق  له في الفرار..
أحدهم بالأمس فقد ابنته الوحيدة في حادث مرور ..وآخر زوّجها الى غريب في بلاد الغربة ..بكى الكثير عليها وعلى نفسه لأنها  وحيدته ..وآخر من خوفه من أن يبقى وحيدا سرق منها زمن الفرار فبقيت محجوزة داخل الكلمات المتقاطعة ..
كل هذه الأخبار زادت من الهوة السحيقة التي لازمتك ساعة ما التقيت صديقك القديم ..لمحته يجري كالمعتوه في الشارع الطويل رافعا يديه كأنه يصور مشهد لسائق حافلة وهو يصرخ في المارة ..ليس لدينا وقت ..اركبوا جميعا ..الحافلة ستنطلق وكل المدن بعيدة ..كان يصرخ زمنا ثم يتوقف للحظات يناجي فيها دمية لعروس كانت بين يديه ..يغني لها بصوت ملئه الآهات والدموع الأغنية الشعبية المعروفة " نني نني يا بشة ..واش نديروا في العشاء ..انديروا جاري بالدبشة "  ثم يصمت صمتا موحشا ليعاود الصراخ...لمحك من بعيد ..فرح للقياك ..أسرع الخطى نحوك ليحضنك بشدة ويسأل بحنان : أهذه ابنتك ؟..يبتسم ثم يسلم عليها .. وقبل أن يعود إلى الشارع الطويل ..يعطيها دمية العروس ..يقبلها ..يسألك أن تحفظ له ابنته الوحيدة  ..ويوصيك بأن تلعب ابنتك معها ..وأن تلعب معهما ..لا تستحي ..ولا تنس أن ترفعهما عاليا نحو السماء ..
صديقك المعتوه وهو يودعك وقبل أن تدهسه حافلة  نقل  المسافرين العابرة ..ظل يردد على مسامعك :
- أرجوك صديقي ..فأنا مشغول كما ترى ..وكل المدن بعيدة ....



سوسة .تونس - بسكرة .الجزائر 27 ديسمبر 2015 -06 فيفري 2016