أشرف شعبان - بنا ورمة و بكا

بنا و رومة و بكا



بقلم/ أشرف شعبان

كانت التعليمات واضحة وصارمة أيضا، جاء البيان من الديوان الملكى رأسا ووزع بسرعة على كافة المناطق والمقاطعات والجحور :
" يحظر نهائيا التجول خارج حدود المملكة أو خروج أى فرد عن المنطقة المكلف بها وذلك حتى يتم جرد كافة مخزون الشتاء وإعادة تخزين ما يمكن أن يظل صالحا لفترة أطول وسرعة استخدام المخزون الذى اقتربت صلاحيته من الانتهاء،  كما يعاقب كل من يخالف التعليمات إما بالسجن أو الحرمان من حملات الجيوش الصيفية أو أى عقوبة أخرى بحسب ما يتراءى للملكة العظمى , والله الموفق والمستعان ".
"بنا" و "رومة" و "بكا"  ثلاث نملات تجمعهن الصداقة والعمل، دفعتهن حرارة الجو إلى مخالفة تعليمات الملكة والهروب من طوابير العمال الذين يحذر عليهم مغادرة أماكن العمل  فى الربيع قبل الانتهاء من أعمال الشتاء أيا كانت الظروف. الأولى كانت "بنا" تسللت فى ثقة إلى الخارج تبعتها "رومة" فى حذر ولحقت بهما "بكا" فى خوف وإرتباك .
استطاعت "بنا" الوصول لحبة سكر طازجة تناولت ثلثها بتلذذ والقت بالثلثين الباقيين إلى رفيقتيها، "رومة" بدورها وصلت إلى قشر جزر مبشور فنادت عليهن ليتذوقن معها القشرة الحلوة لكن نداءها لم يجد مجيبا إذ غطت عليه صيحة "بكا" المفاجأة، كانت الصيحة إعلانا لإكتشاف هائل بحق، إكتشاف يستحق هذه المغامرة التى خضنها والتى قد يتعرضن بسببها لأشد أنواع العقوبات والتنكيل. بحيرة عظيمة من العسل المثلج الذى يبدو أن أحدهم سكبه لتوه بجوار الثلاجة، سبح الثلاثة فى البحيرة يغسلن هموم ومشقة شتاء ثقيل ويتذوقن إنتعاش ربيع تكسو نسائمه الدنيا. بدأ الثلاثة يرقصن ويغنين فى صوت واحد :
أنا أحب الربيع وروحى تهواه...
صباحه شمس جميلة والقمر يلالى فى مساه....
فيه النسمة عليلة والهوا يامحلاه ...
الشتا العجوز يفارق والكون يعود لصباه...
أنا أحب الربيع وروحى تهواه...
فى المساء عقدت المحاكمة للمذنبات، حضرت المحاكمة  نائبة الملكة العظمى يتزين صدرها بالنياشين ويعلو كتفها الشعار الملكي، وجلس إلى يمينها رئيس المحكمة العليا وأمامه دفتر القانون وفي يده ختم العدل، وإلى يسارها جلس قائد الجيوش الملكية بوجه جامد ونظرة حادة مصوبة لسقف المحكمة،  قيد الثلاثة المذنبات خلف محبس من أوراق الشجر وشهد المحاكمة جموع من عمال المملكة ورعاياها .
كانت بكا فى حالة انهيار،  بكت وصرخت وتوسلت للنائبة العظيمة أن تعفو عنهم وأنهم سيكونوا من العمال المخلصين ولن يعودوا إلى مخالفة الأوامر العظمى مرة أخرى وسيعملوا فى خدمة العرش الملكى  طيلة حياتهم.
تعاطفت الجموع الحاضرة فى المحكمة مع دموع بكا وسادت بينهم غمغمات تتوسل إلى المحكمة وأخيرا علا صوت من بين الجموع يطالب بالعفو. رفع رئيس المحكمة ختم العدل وطالب الجميع بإلتزام الصمت ثم أشار للجنود القائمين على تأمين المحاكمة  فقاموا بإعادة الهدوء والنظام بسرعة أدهشت الجميع .
تقدمت رومة لتدلى بدفاعاتها وكانت أكثر هدوءا من بكا،  قالت إنهن من عمال الملكة المخلصين وتشهد بذلك تقارير الرؤساء وشهادات الإستحسان التى حصلن عليها فى الخدمة.
أشارت إلى حصولها على شهادة الإجتهاد فى مواسم شتوية سابقة وإلى خدمتها فى الجيوش الملكية كإحدى بنات الملكة العظيمة المخلصين .إعترفت بخطأهن لكنها طالبت القاضى بالنظر إليهن بعين الرأفة والعفو والأخذ فى الإعتبار تفانيهن من أجل مملكة النمل ومن أجل التاج الملكى العظيم ثم عادت إلى مجلسها فى هدوء.
قامت بنا لتدافع عنها نفسها،  سددت نظرات قوية كالسهام إلى جميع الحاضرين ,  ركزت نظرتها على نائبة الملكة ثم إنفجرت  كالبركان , قالت لم نرتكب جرما يستحق العقاب , الجريمة الحقيقية فى العمل المضنى للعمال دون راحة،  في الشقاء الذى يحنى ظهورنا ليلا ونهارا، الجريمة أن نواصل الكد  فى مواسم الشتاء القاسية ولا نحصل على حقنا من نسائم الربيع، الجريمة يا سيادة النائبة العظيمة أن الشعب يعمل ولاينعم بكفاحه والسادة هم من يغرقون فى النعيم،  الجريمة أيها النمل أنكم فى دائرة من المذلة والهوان فى سبيل رفعة الملكة العظيمة والنائبة والقاضى وقائد الجيوش الملكية.
لم تكد بنا تنتهى حتى ساد الهرج فى المحكمة واشتعلت نيران الغضب فى جموع النمل، لم يستطع جنود التأمين السيطرة على الجموع التي اندفعت فى غضب نحو النائبة والقاضى وقائد الجيوش , قتلوا القاضى ومزقوا دفتر القانون وحطموا ختم العدل، أصيبت النائبة بجروح بالغة قبل أن يخلصها جنود الحراسة بصعوبة وفر قائد الجيوش بصحبة  فرقة من جنده الأقوياء.
خرجت "بنا ورومة وبكا" من المحبس وحملن فوق الأعناق، هتفت بنا ومن خلفها ردد الجميع مطالبين بالحياة الكريمة .فى الصباح التالى أعدت الملكة العظيمة جيشا جرارا وقادته بنفسها لإخماد الفوضى،  فتك الجيش بالنمل الثائر وقطعت الملكة رؤوس "بنا ورومة وبكا" وعلقتهم ليكونوا عبرة ومنذ ذلك اليوم صارت حكايتهم محرمة على الألسنة لا تروى إلا فى الخفاء كلما هبت نسائم الربيع .