ياسمين ابراهيم رسالة الي ابنتي "صغيرتي"



رسالة الي ابنتي "صغيرتي" 

بقلم: ياسمين ابراهيم 



المرأة هي السكن والدفء لكل من حولها، وهى مصدر الطمأنينة  والسعادة. فعندما تكون ابنة تكون سند لأهلها وعندما تكون حبيبة تصبح حافز لحبيبها وعندما تكون (تصير) زوجة أو أم تكون محور حياة كل من في المنزل تعتمد سعادتهم عليها. فان المرأة هي التي تبنى وتؤسس المجتمع ،فإن المجتمع الناجح هو المجتمع المهتم بالمرأة وحقوقها ويوفر لها الفرص المختلفة.

ويبدأ لاهتمام بالمرأة منذ نعومة أظفرها بل منذ البكاء الأول. أن تربية البنت مسئولية كبيرة على عاتق الأهل. 

في اغلب المجتمعات العربية تربى الفتاة علي عادات و تقاليد عديدة توارثنها من جيل إلي جيل. بالرغم من الاختلاف والتقدم الذي توصلت له المجتمعات العربية إِلَّا أن تربية البنت تبقى محاصرة وسط عادات و تقليد تعود إلى مائة السنين وليست مناسبة للعصر الذي نعيش فيه ولا تعد الفتاة لما ستواجه في الحياة.

ومع خطواتها الأولي، تُقيد الطفلة بالجمل المشهورة "عيب أنت بنت" "البنت لازم تقول حاضر" "مينفعش أنت بنت" أو الأقبح "لما تتجوزي اعملي ألي انت عوزاه" . كأنها وُلدت لتكون ذماً وعاراً. وُلدت لتعيش حياة لا تحيى فيها ولا تموت. تبقى حرة في داخل إطار العادات والتقاليد كالعصفور الذي يطير داخل القفص فقط . فإنها الحرية القاتلة.

وتأتي تربيتها علي أنها عاجزة عن تحمل المسئولية أو اتخاذ اى قرار يخص مستقبلها، دائما تنتظر الرجل في حياتها ليقودها ويوجها. فتصبح بلا هوية، مشتتة لا تعلم ما الذي تريد تقديمه للحياة .لم تتاح لها الفرصة لإستكشاف إمكانياتها ومعرفة قدراتها.

إذا شاءت الظروف لتضعها في موقف اتخاذ قرار أو تحمل مسئولية، ستشعر بالضعف والتردد. كأنها في مركب بمفردها في عرض البحر ولا تعرف السباحة أو كيفية التجديف. فعلينا أن نمنح بناتنا من سن صغير الفرصة لاتخاذ القرار وندعهن لتحمل نتيجة هذا القرار، بدون تدخل حتى و إن كان هذا القرار خطأ. وهكذا سيتعلمن كيفية اتخاذ القرار وما معنى تحمل العواقب. ومع تخصيص المهام المختلفة المناسبة لعمر البنت وتقديم المساحة لها لتتحمل مسؤولية هذه المهام، ستزداد ثقتها بنفسها ويكون تحمل المسئولية واتخاذ القرار بمفردها  جزء لا يتجزأ من شخصيتها.

"كل شخص سواء كان رجل أو امرأة ينجو من هذه الحياة بمفرده، متحملا عواقب القرارات في حياته، فمن الأفضل أن تكون هذه القرارات، قراراته هو "

تتعود الفتاة من صغرها علي الخوف من رأي من حولها، فيصبح كلام الناس و رأي المجتمع في أفعالها هو شغلها الشاغل والهدف  وراء كل اختياراتها. فتكون محاصرة تعيش الحياة التي ترضي من حولها و ليس الحياة التي تريد أن تعيشها . فكيف لها إن تضحك بصوت عالي أو تجلس مع أصدقائها أو تذهب في رحلة مع صديقاتها أو تجرب اى شي مع حاجز الخوف من رأى الناس. فيصير رأي الناس أهم من الخطأ والصواب، كأنه الكتاب المقدس، الذي لا يجرؤ احد على تحديه. هذا التعود يبدأ مع أول مرة نقول فيها "ميصحش الناس هتقول ايه  " او  "انا فرحان بيكى اوى شفتى الناس بيقولو عليكى ايه" او غير ذلك. فنحن نزرع بذرة الخوف من رأي الناس في بناتنا  فتكبر معهم وتستحوذ على كل خطواتهم . فقد تتزوج و تنجب لترضي المجتمع وكلام الناس . قد تُبقي على زواج فاشل لخوفها من كلام الناس عند الطلاق أو تستمر في عمل لا تشغفه لخوفها من كلام الناس إذا سعت وراء شغفها. يجب علينا زرع بذرة السعي وراء حب الله وتعزيز حب النفس ، بدلاً من الخوف من كلام الناس. فإذا أحبت الفتاه نفسها وسعت وراء حب ورضى الله لن تتأثر بكلام الناس أو تجعله محور حياتها .  

"تكون حرة نفسها تفعل ما يسعدها لأنها تعلم أنها تستحق أن تكون سعيدة، و لن تهتم برأي المجتمع بل تهتم بالصواب والخطأ"

نحن نفخر عندما تقول البنت "حاضر" و"نعم "و"اللي تشوفه" ويكون هذا بمثابة إثبات على التربية الصالحة.ونقول بمنتهى التباهي " أنا بنتي متقدرش تقولي لا" هذه الطاعة سينتج عنها نتيجتان، النتيجة الأولى هي الطاعة الدائمة لأي شخص لان الطاعة مرتبطة لديها بالقبول والحب "لازم أقول حاضر عشان الناس تحبني وتتقبلني"  ستكون تابعة بلا هوية أو شخصية و هذا شيء في منتهى الخطورة  لان كما أن البنت مثل الولد لها شخصية تتوق لتنميتها واكتشاف ما الذي تتميز به إعطها الثقة وحق الاختيار بين الصواب والخطأ. وهناك فرق بين البنت المستقلة الواثقة من نفسها وخطواتها والبنت المتمردة العنيدة التي لا تعلم عواقب اختياراتها  وافعالها. فالبنت المتمردة قد توذى نفسها وتدمر مستقبلها.  فان العند عند الفتاة يكون في الأغلب رد فعل لكثير من الأوامر من دون أعطاءها الفرصة لإبداء وجهة نظرها . أو الإهمال لها فتكون هذه هي وسيلتها لجذب الانتباه. أو وجود موقف في المنزل هي ترفضه أو تمقته والعند هو طريقة رفضها له . علينا احترام وتقدير مشاعر الفتاة مهما كان صغر سنها وأخذها في الاعتبار والتعامل معها وعدم تجاهله .  

من الأخطاء الشائعة أيضا في تربية البنت في بعض المجتمعات العربية هي تجهيز الفتاة للزواج من سن صغير. كأننا نقول لها هذا هو محور حياتك وان حياتك لن تكتمل إلا بالزواج  وان اى نجاح تطمحين في الوصل إليه لن يكون له معنى إذا لم تتزوجي. فينمو داخلها إحساس بالنقص. تنتظر هذا الفارس الذي سيحقق أحلامها و يجعلها كاملة  لها قيمة ولها الحق في الحياة. نعم الجواز سنة الحياة ولكنه ليس الحياة  . فالفتاة غالية ثمينة تزوجت أو لم تتزوج لا يحدد قيمتها الزواج أو يؤثر علي نجاحها وانجازاتها.  يجب علينا تسليط الضوء على أن الزواج خطوة تتخذها عندما تكون مستعدة لها وتتخذها لأنها وجدت الشريك المناسب لها. فيساعدها علي التطور إلى الأحسن ومعاً يخططان لمستقبلهم و يدفعون بعضهم إلى مزيد من النجاح. يتمتعون بالسعادة و السكون والحب.  

وجود الأب في حياة ابنته من أهم العوامل التي تشكل شخصيتها. فان الفتاه تستمد حبها وثقتها في نفسها من والدها. فالأب هو المعيار التي ستختار على أساسه شريك حياتها. فإذا كان الأب يهتم بابنته ويعاملها باحترام وتقدير ويثق فيها و يتشاور ويحكى معها . فسيكون من السهل على الفتاة أن تصبح امرأة تعتز نفسها وتحترمها وستختار شريك حياتها الذي يعاملها بمثل الحب و التقدير والاحترام.  فبذلك ستستمع إلى نصائح والداها وتأخذ مشورته عند الكبر. إذا كان الأب غائب لأي سبب من الأسباب. يجب اتخاذ نموذج أخر في حياة الفتاة ليحل محله قد يكون العم الخال أو شخص موثوق فيه.

تشير كل كتب التربية على أهمية الأم في حياة ابنتها فإنها المرآة التي ترى الفتاة فيها نفسها، فتقلدها في كل شي من ابسط الأشياء كالاهتمام بنفسها، رشاقتها وأناقتها ، طريقة الكلام ،الاهتمام بمن حولها، و كيفية التعامل مع المواقف المختلفة. فالبنت تستمد من أمها الحنان، و الحب والأمان. كل فتاة صغيرة تكبر لتكون صديقة والدتها المقربة. وعلى الأم مراعاة التعامل مع المراحل المختلفة التي تمر بها الفتاة فإنها لن تكون طفلة إلى الأبد فيجب عليها معاملتها بالطريقة المناسبة لسنها وأعطاءها مساحة من الخصوصية والثقة لتحافظ على صداقتها . ومحاورتها في كل ما يخص التغيرات الجسمانية التي تتعرض لها وترد علي كل تساؤلاتها بخصوص علاقتها مع الجنس الأخر. لكي تستمع الفتاة لنصائح والدتها يجب أن يكون بينهما علاقة صداقة واحترام بجانب الثقة والمحبة، تنشأ هذه العلاقة بين الأم وابنتها منذ الصغر فاحرصي على توطيد هذه العلاقة .

كما يقال "الأطفال لا تأتى بكتيب إرشادات " فلذلك يوجد لدينا دائماً شك وخوف بما يجب أن نفعله وما يجب ألا نفعله، دائماً في صراع بين ما تربينا عليه وما نعرفه الآن. ثقي في غريزة الأمومة لديكِ، انهضي فوق كل التشتت والصراعات بداخلك فقد جاء الوقت  الذي تكونين فيها مسئولة عن حياتك واختياراتك واهمها كيف ستختارين تربية ابنتك.
.

رسالة إلى ابنتي

ابنتي العزيزة ،منذ اللحظة الأولى التي أخذتك بين ذراعي علمتُ أن هذه هي الرسالة التي خلقتُ لها. عندما تبكي تمطر سمائي و عندما تضحكين تضيئين كياني. علمتني الاِستمتاع و ترك الخوف من أوهامي.

أحب آن أعيش في العالم الذي ترينه بعينكِ .لكن صغيرتي عليكِ آن تستعدي للعالم الذي أراه بعيني التي مُحيَت منها البراءة. يجب عليك أن تتشبثي بحلمك وألا تسمحي لمخاوفك إن تكسب المعركة. لا تسمحي لأحد أن يقول لكي أنك لا تستطعين.

لا تجعلي عادات و تقاليد المجتمع توقفك أو تؤثر علي إيمانك بنفسك وبمقدراتك فإنها إطارات وضعنها لخوفنا من آلا حدود لقدرتنا .لا تجعلي خوفك من الخطء يمنعك من التجربة، من استكشاف نفسك. اجعلي من الفشل صديق لكِ فإن مع الفشل تتعلمين الوصول لطريق النجاح. اخطئي افشلي واحتفلي انك تحيين ، وبعد الاحتفال انهضي وابدئي من جديد. أتذكرين كم مرة وقعتِ قبل تعلم المشي؟! استمري في المحاولة والنجاح سيكون حليفك.

احرصي علي الالتزام بصلاتك فإنها طوق النجاة من المخاطر. ستزرع في قلبك ألسكينه والطمأنينة لمواجهة المصاعب ،عندها لن يستطيع القلق والوحدة التسلل إلى قلبك. تقبلي وأحبي نفسك بكل عيوبها و مميزاتها وامنحيها التقدير والاحترام التي تستحقه. فإن  كان لديك هذا الحب والامتنان والتقدير لنفسك فلن يجرؤ احد أن يسلبه منك.

أحبي واتركي العنان لمشاعرك لتحب واسمحي لقلبك أن يحب ،لكن احذري من يستغلون المحبين بأسم الحب . تزوجي من تحبين بقلبك وعقلك معا، تزوجي من يبرز أحسن ما لديكي ويتحداك لتكوني في تقدم مستمر، يشركك في الطموح والأحلام. ويضعك دائما أولا ويبر بوالديه ويخشى الله .لا تتزوجي لترضى المجتمع أو لترضى غرورك أو لخوفك من الوحدة . تزوجي في الوقت المناسب من الشخص المناسب. فان الحياة مليئة بالتحديات و المصاعب ومواجهاتها مع شريك بجانبك يهونها عليك يجمع بينكما مودة ورحمها وانس ولكن إذا لم تحسني الاختيار سيكون هو سبب هلاكك.

ها أنت فتاه وستكونين امرأة في يوم قريب .تذكري أنه لا يوجد فرق بين الرجل والمرأة سوى في الطبيعة الجسدية ،لا يوجد فرق بينهما في الخطأ و الصواب. لا تسجني نفسك في كلام الناس. استشيري ضميرك و ارجعي لربك عندما تكونين في حيرة من أمرك. ثقي بنفسك كما أثق بكِ .

ينفطر قلبي كلما فكرتُ بالمرات التي ستبكي فيها بسبب خيبة أمل أو بسبب ظلم وقع عليكِ أو عجز تشعرين به أو عندما يتهشم قلبك من فراق حبيب أو فراق عزيز. كم أتمنى ألا تعيشينَ لحظة الم وأن تلمس دموعك خديك فقط في الفرح والا تختبري الفراق أو تمر عليك لحظة انكسار. أخاف عليك من كل ما أراه و ما لا أراه . أتمنى أن تبقى طفلتي الصغيرة، فهكذا دائما سارآكى. بل أتمنى أن تعودي إلى احشائى لاهميكي من اى الم أو حزن ينتابك. لكنى اعلم أن علي الإنسان أن يختبر الألم ليصبح اقوي ويقدر نعمة النجاح والسعادة.

إني علي يقين بأنه سيأتي اليوم الذي أنظر إليك فيه وأقول نعم انت امرأة .
  

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +