متسولو العشق ،طه النجار


طه النجار

متسولو العشق
والقلوب الحالمة دائمًا ما تستيقظ على وجع من جنس ما حلموا، ثمّة شيء مُعلّق هُنا برقبتهم، ثمّة روح بادروها بالألم فتألموا لها، معها!
أيها الروح لا فرق هُنا بين وجعه ووجعك، لقد صار جدار الروح مُتهتكًا من أدعياء العشق. ففي المرة التي قرروا فيها الارتكاز على شيء كي تستطيعوا إحياء هلاك جديد في العشق، لن تجدوا سوى فراغٍ أحدثتموه ترتكزون عليه! إن من قرر تَسوّل عشق كمنْ تحامل على نفسه ليسقط، ستسقطون جميعًا صَرعىَ هوى، وفي تلك اللحظة لكم أنْ تُحضروا النسيان معكم كي يتمكن غيركم من النسيان، نسيانكم كي لا تُفسدوا هوًى هوانًا. إنّ كثيرًا ممن عشقوا لن يستطيعوا أنْ يبسطوا لكم أيدي هوى، لنْ يستطيعوا أنْ يتصدقوا بعشق كان الغلبة فيه للوجع، وحدهم العُشّاق ليس لهم عزاء في عشقهم سوى وجعهم. مُتسولو العشق يُشبهون تابعي شعب مقهور في الصحراء، لن يتعلم أحدهم كيف يكون رحيمًا سوى من إرهاق سيرهم، وإذا ما بدت عليهم الرحمة، سيرون أنّ من ذابوا اتخذوا قلوب معشوقيهم كنيسة لهم! فقط لكم أن تُشعلوا حطبًا أو شموعًا وتصلوا معهم! إنّ النّار الكامنة هُنا لا تحتاج إلى من يوقظها من مكمنها، كل ما لكم أن تحملوا الرماد وترحلوا، ارحلوا إن لم تستطيعوا أن تؤانسوا نارًا. كافيةٌ آلامهم أن تُضيء مدينتكم، ولكم أن تُقبلوا يد حارس الجحيم! لا أثر هُنا للجنة، هُنا أثر مسافة لا تشتهي الطريق، وهناك لا ينتظر أحد، لا شيء آخر، فكل من تطلع إلى النّور اقترب من الجحيم.. مُتسولو العشق يُشبهون باعه لا يبيعون شيئًا، يتقاسمون أحاديث الهوى في الطرقات، ثم يحتسون كأسًا من "كـــان"!
وفي الليل يرحلون ويتركون الكلام وحيدًا على الأرصفة! متسولو العشق يشبهون صاحب قول: "سأكون ظلّك" ويتركون "وحدك" تنتحب!
ظلّي سآخذك معي إلى الجحيم! مُتسولو العشق لا يشبهون النُّساك، لم يتيمّموا بالحضور، ويتوضؤوا بالغياب، ولم يصلّوا لفراغ المكان!
وحدهم العُشّاق يعرفون كيف يصلّون للمسافة! ووحده المعشوق يُشبه الوريد الذي ينام هادئًا في معصمي، لذا أحتضن نفسي! ثم تكون أنت ممرًّا جحريًّا قديمًا، وسط مدينة أندلسية أو ربما يونانية قديمة، صعبٌ أن يتخطى مَسعاكـَ مدّ هوى، أو ابتداع دروب، أو انكسار مَرايا.
متسولو العشق رمادٌ لا يقبل الاشتعال، ووثنية بلا دين، وسبيل ممتلئ بالخطايا، وبطل بلا غزوات، وسرٌ بلا حكاية. وكُلما أُرهِقت خطواتك تبتهل، وتُنشد مُخيّم لاجئ، وتُغريك رصاصة أخطأت مسعاها، وتتسارع بالسقوط على أعتاب عُشب بريّ نَبَت قُرب موقد حجريّ.
ربما تسكنون بيت هوى، لكن من أين ستثملون إذا تهيّب أحدكم وتهكم ممن تمايل؟! بل تُغريكم الثّمالة!ِ