العقل العام،كريم علي

كريم علي

العقل العام

العودةُ للأصولِ يُريح ، وهو الطريقُ الأمثل للتشخيصِ الصحيح ، أما الإلتفاف والثرثرة حول الفروع، ما يجلب إلا تعقيداً فى الأمر واستمرار للمسير نحو دروبِ الأَتيَاهَّ بكل عزمِ وتصميم ..

نحن بدَّلنا الأصول بالفروع والعكس صحيح بسذاجةِ شديدة .. بعبارة أخرى، السياسةُ ليست أصل المحنة والمرض بل هى مضاعفات للمرض وانثياب للجراثيم بالجسم، أصلُ المحنةِ والمرضِ هو الثقافة الإجتماعية للمجتمع ككل، وما نُعانيه الآن وبالآمس ومنذ عقود واظنه سيستمر لحين التصحيح، هو انفجار بمواسير الفكر المجتمعى ـ إذا جاز التعبيرـ التى حين انفجرت فى شكل سياسى، خُدعنا وخُيل لنا ان الإنفجار سياسى رغم كونه فى الأصل اجتماعى دقيق سيقلب المووروث والحديث رأساً على عقب .

الثقافة المجتمعية التى أعنيها هى الحصيلة او الشكل النهائى للمجتمع من خلال الثقافة الفردية لكل فرد مُكونة العقل العام للمجتمع، عقل عام يكن هو صورة المجتمع ويُديره بديكتاتورية المعرفه الثقافية وبديمقراطية التنوع الفكرى والطبقى فى ظل حدود وضوابط ارتضى بها و قَبَّلها العقل العام الثاقفى ..
أى انحدار اجتماعى يحدث وتتسارع وتيرته فى فترات غياب الزخم الثقافى المُشكل للعقول والسلوك والذوق العام، او تهميش دوره وإضطهاده من رجال السياسة خاصةً إذا حاق بهم الفساد، فتصبح الإفاقة الثقافية بمثابة خطر داهم على السلطة ، لأنه يُزيد الوعى المجتمعى وبالتالى السياسى فيصير صعب المنال لأكاذيب السلطة وشوكة فى حلق بطشها..

فى غمرة الفراغ الثقافى او تهميشه عمداً، يطفو الخبث على سطح الفكر، ويتصدر العقل العام ضعاف الفكر ومنافقى السياسة والدهماء من العقول، وبإنفراد التصدر وتصومع المثقفين والمفكرين الخالصة نواياهم فى الحفاظ على الهوية وضبط الوافد علينا من أفكار، عدم الإنحدار بالذوق العام، انفرط العقد وصار دور المفكر وتأثيره هامشى بل أصبح مدعاه للسخرية ورمزاً للتعقيد وجالباً للمتاعب ونتذكره فقط عندما يحصد جائزة هنا او هناك دون الاستعانة بفكرهِ لمسح الجهل وتكوين العقول المتفتحة بالمعرفة ..
وتفشت هذه الآفه فى العهد المباركى المشئوم مما ساعد على تسطيح العقل العام وانشغاله بتوافه الأمور، التى يقودها الرويبضات والتافهون برعاية الدعم السلطوى، وقد برزوا في المجتمع المصرى بلغتهم الركيكة وشجارتهم العفنة وعقولهم الخاوية..

وبطبيعة التعود والتجاوب نشأ أجيال متأثرة بهذا العطب، تكره القراءة وتحسبها من أسباب الملل، غير مُقدره لقيمة لغتها العربية، تدنى أسلوب الحوار بين الناس عامة والشباب خاصة، أصبحت لغة الصوت المرتفع والبلطجة هى السائدة، صار الإعلام يعج بمن لا يُثقل فكر ولا يُربى عقل قادر على الإبداع لحظة المِحن، وصولاً إلى الفنون كالسينما وقد سيطر عليها الهابط من الفكر والذوق، فأصبح البلطجى هو عنوان السينما استناداً إلى الحالة الذوقية للمجتمع، وهو استنادٌ كاذبٌ لتمرير العفن من الأفكار ..

لا نُنكر الحراك الثقافى الطفيف الذى حدث قبيل ثورة يناير بسنوات قليلة لعله كان احد محفزات الوعى تجاه ما آلت إليه الحياة المصرية ، ولكنه لم يكن كافياً لإحداث الوعى المفقود بعد الثورة ، وظهر نتاج تسطيح العقل العام او غياب الثقافة المجتمعية فى سير الشارع و الإعلام المصرى ، وروحنا نبحث عن عقل عام للمجتمع يلفظ الغريب عليه من أفعال وأقوال لم نجد ، او يُصحح مسارات الفكر والسلوك ولو أضعف الإيمان طريقة نقاشتنا الغوغائية فى أحياناٍ كثيرة ..

اكاد اجزم بعد كل هذه الفوضى التى تُحيط بنا من كل جانب ان لا إصلاح سياسى او إصلاح معيشى بدون العمل على إثراء العقل العام المصرى والسعى على استعادة مكانته الثقافية الذوقية، ومن هنا أدعو البرامج الحوارية خاصة المعتدل منها ان تساهم فى زيادة الجرعة المعرفية الثقافية بجانب مشاكل المواطن اليومية لأهميتها بل لها مردود شديد الصلة بتلك المشاكل من حيث طريقة التعاطى ووعيه بواجباته وحقوقه حتى لا يظل فريسة لمحاولة تسطيح جديدة، بالإضافة إلى إعطاء الفرصة الكاملة من قِبل السلطة للمفكرين لإبداء آرائهم والإستنارة بأفكارهم بلا ادنى تربص من السلطة.. فالنثرى العقل العام لهذا المجتمع ، ننعم بوجهِ الحسن ..


ولنا لقاء مادام لرزق الكلمة بقاء ..

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +