عمرو عاطف رمضان - حقائقُ كثيرةٌ لعقلٍ واحد





حقائقُ كثيرةٌ لعقلٍ واحد

عمرو عاطف رمضان






كان من عادته أن يقول لنا، بصوتٍ ملئه الحياة والنشوة، في خلال جلساتنا الشتوية المسائية:

- أكثر ما أفضله في النساء سيقانُهن!

ويتبعها دائماً بتلك البسمة التي تملؤ ثغره وتلمع عيناه، ثم يتأوه بطريقة مضحكة ويتابع:

- عندما تكون سيقان المرأة مجسمة هكذا و "مصبوبة" تكون أجمل النساء عندي!

و نعيد عليه نحن تلك المزحة بأنه قبل وقوع اختياره على من سيتزوج لابد أولاً من أن ينال حقه في "الرؤية الشرعية" لسيقانها حتى يستطيع أن يحدد أيهن الأنسب له. يضحك ساعتها من قلبه وتلمع عيناه.

كنت -طبعاً- آخذ كلامه ذلك على محمل السخرية، إذ أنه كيف لرجلٍ أن ينظر إلى جمال امرأة في مجرد سيقانها، والمرأة هي جمال الدنيا الذي لا تعرف من أين ينبع نهره وأين يصب. أحياناً تأخذني الحمية فأرد عليه:

- أنت مجنون حتماً.. المرأة الجميلة جميلة من أصغر شعرة في رأسها إلى أخمص قدميها. أقولها بطريقة تفضح ما يعتريه القلبُ من الشوقِ والحنين...

أما الآن عندما أفكر في كلامه أجد أنه واقعي بشكل ما، إذ إن تركيزه على خصلة أو شيءٍ معين وربط نفسه به، يعطيه نوعاً ما من الواقعية قد يسهل عليه وجوده يوماً..

وفي العمل.. عندما رأيت "ريهام" لأول مرة، وامتلئت إعجاباً بها، راحت تخطر في بالي تلك الفكرة.. رُحت أفكر كيف عسى يكون شكل ساقيها. كان جسدها كبيراً، ليست سمينة أو غير متناسقة الأجزاء، لكن جسدها يملك حضوراً أنثوياً غريباً، ولكنها تلبس ملابس وبناطيل واسعة، تمنعني دائماً من أن أستطيع تبين شكل ساقيها. وبعد أن أطيل التخيل بلا فائدة، أنتبه إلى ما حولي وأبدأ بالضحك ساخراً من نفسي، ومن ذلك الصديق الذي لفت نظري إلى جمالٍ آخر لم ألاحظه في الوجود، وهو سيقان النساء!

وأبعدتني الحياة عن صاحبي ذاك ولم أعد أراه أو أحدثه إلا نادراً. لكنني لم أنسَ أبداً حبه الغريب ذلك للسيقان. واكتشفت أن الموضوع ليس بالبساطة التي كان يتكلم بها صاحبي القروي الطيب، فقد لاحظت أن لكل ساقٍ جمالها الخاص، فسيقان القصيرات مثلاً لا يجب أن تكون عريضة الحجم أو ضخمته، بل يكفيها أن تمتلك تلك الثنية التي تجعل داخلك يتأوه حباً، وأما الفتيات ذوات الجسد المستوي، مثل ريهام، فلابد أن تكون سيقانهن عريضة بشكل ما، ليست سمينة وإنما "عريضة" تتناسب مع جسمها، تخيَّلْها في بنطالٍ ضيقٍ وستكون الصورة أوضح. لكن ريهام لم تلبس بنطالاً ضيقاً أبداً إلا في مرة واحدة لبست فيها بنطالاً أسودَ ضيقاً كشف عن جزء صغيرٍ بعرض الإصبع الواحدة عن ساقِها شديدة البياض، كنت غاضباً منها يومها إلى حدٍ ما لأنني -ربما- كنتُ أحبها، لكن إحساساً عميقاً داخلي كان يشعر أنني قد رأيتُ لمحةً من الجنة. أو كنزاً خفياً من أسرار الجمال في الجنة. ولا أخفي أن تعلقي بريهام أصبح أكثر جنوناً بعد تلك الليلة!

ورأيتُ أشكالاً عديدةً من سيقانِ النساءِ فصارت نظرية صاحبي أكثر تعقيداً، لم أعد أنظر إليها بتلك البساطة والواقعية التي أصبحتُ أجدها الآن. وفي عملي هنا في الشركة تعرفت كذلك على "السيقان المكشوفة" فكان ذلك بمثابة اكتشافِ عالمٍ جديدٍ لم يخطُر ببالي من قبل، وكأن تلك الكائنات التي تغطي سيقانها هي من نوعٍ آخر يختلفُ تماماً عن تلك اللاتي تعريها، وإن كنت دائماً أرى السيقان المغطاة أكثر جمالاً!

وجاءني عملٌ في مكانٍ آخر، مكانٌ أفضل ومرتبٌ أكبر، لم أفكر كثيراً وذهبت إلى العمل الآخر قبل أن يمر شهرين على عملي في الشركة الأولى. كان ذلك اليوم هو يومُ أجازة ريهام فلم يتسنَ لي حتى أن أودعها، ولم تكُن لديَّ أيَ وسيلةٍ للإتصال بها فلم أحاول طوال مدة عملي بالشركة أن أطلب منها رقم هاتفها أو إيميلها أو أي شيءٍ من هذا القبيل. وهكذا اختفت "ريهام" من الوجود فجأة كما ظهرت فجأة، وراحت نوبة هوسي بها تخبو رويداً رويداً حتى اختفت وما كنتُ أظنها تختفي! تعجبتُ أنا نفسي من اختفاءها في داخلي!! قلتُ كيف لطعم جمالها الذي كنت أتذوقه يسري في دمي كله أن ينساب خارجي بهذه السهولة! واندمجتُ في عملي الجديد، رأيتُ فيه ألواناً من الناس وأشكالاً مختلفة للحياة لم أكن أحلمُ بأن أخالطها يوماً، لكن انتابني نوع من الضجر، راح يطاردني في كل وقت، ويقضُّ مضجعي عند كلِ منام. كنتُ قد اعتدتُ على الجو الأول في شركتي الأولى فأصابتني وحشة التغيير، ولما طالت بي الوحشة ظننتُ أن شيئاً ما بداخلي قد اشتاق لريهام، كلمت زميلاً لي في عملي السابق لأسئله عنها كأنما أتأكدُ مما بداخلي، قال لي في صوتٍ ملأه الاستغراب:

- ريهام، من ريهام؟!

طبعاً لابد أن يتعجب من هذا الذي يكلمه بعد مدة ليسأله عن فتاة بالعمل! تخيلتُ أنني أقول له: "ريهام ذات السيقان الجميلة".. لم أقل له ذلك طبعاً، وشعرتُ بنوعٍ من الإحراج فغيَّرتُ الموضوع، رحتُ أسأله عن أخباره و عن العمل.. عندما أوشكتُ على الإغلاقِ قال كالمتذكِّر:

- آه.. صحيح، ريهام التي سألتني عنها تركت العمل، بعدك بأسبوع تقريباً.

لم أقل عندها أي شيء، لم أطلب منه أن يطلب من إحدى صديقاتها مثلاً أن تعطيني رقم هاتفها، أو تعطيها رقمي، أو حتى أن تبلغها بأنني سألت عنها، أصابتني حالة استسلام ٍ شديدة لم أعرف سببها، وبعدها أصابتني حالة صمتٍ وسكون تملكتني، لم يكن لي العذر لكي أشعر بالحزن أو الوحشة فلم أشعر بها، ولكن ظل إحساس الحيرة يطاردني. وفي قلبي يزداد الشوق والحنين، وحب المغامرة يكاد يقتلني شبقاً...

في ليلة رأس السنة الجديدة أقامت شركتي الجديدة تلك حفلاً كبيراً في إحدي قاعات الفنادق، كان على الجميع أن يجتمع هناك متأنقاً يلبس أفضل ما عنده، جاء الجميع متأنقاً مختالاً بنفسه، ولبست بذلتي البنية التي ألبسها في المناسبات، وجدتها مناسبة لكنني لم أجد نفسي أفضل من غيري أو أنني ألفت إلىَّ الانتباه بطريقة خاصة، ووجدتُ في ذلك حرية ما، رحت أجوب القاعة رائحاً غائداً، ألقي السلام على من أعرف، وأراقب من لا أعرف في صمت. واختالت أكثر الفتيات في فساتين سواريه قصيرة تكشف عن سيقانهن، ضحكت ملء فمي عندما تخيلت أن هذا الحفل عبارةً عن معرض للسيقان الجميلة، وراح عقلي الذي تملكته الفكرة يقنعني أن سيقان كل تلك النساء جميلة، كلها بلا استثناء! لا فرق بينها في أي شيء، ليست هناك حتى واحدة قبيحة!! أصابتني حيرة شديدة ساعتها، إذن فما كل هذه النظريات التي راح صاحبي يضع أساساتها، ورحت أفندها و أكون لها مباحث وأجزاءاً؟! أكلها كانت كذبة إذن؟! أم أن الفكرة نفسها كثيرة على عقل واحد؟! ابتعدت عن القاعة واتجهت إلى النافذة لأصفي ذهني قليلاً. وكأنما عدت لرُشدي، رحت أتعجب من نفسي وأعنِّفها بصدقٍ على استغراقي وحيرتي في أفكار تافهة مثل هذه! بل أن تشغل حيزاً كبيراً من أفكاري وقراراتي! يجبُ علي أن أركز على عملي وحياتي من الآن فصاعداً، لن أجعل نظريات أيام الرفاهية والسمر مع الأصدقاء تلك تؤثر على أفكاري واختياراتي، الحياة العملية أصعب يا صاحبي، أصعب بكثير..

عندما التفت لأدخل إلى القاعة وافتني بسمة رقيقة من فتاة بيضاء رقيقة الملامح، كان فمها ضيقاً، شفتاها رقيقتان للغاية، وعندما انفرجتا للابتسامة صحبتها لمعة لعينيها كأنها تخبرني أنها تعرفني من قبل، هزت رأسها في مودة ومضت ناحية الشرفة، التففت بظهري و نظرت ناحيتها لثوانٍ وكأنما اكتشفتُ اكتشافاً جديداً. ثم هززت كتفيَّ مستسلماً وابتسمت، وتابعت طريقي داخلاً إلى الحفلة!




شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +