سمير اليوسف - قراءة في مرآة خبز وقمر للدكتورة زهرة عز



قراءة في  مرآة خبز وقمر للدكتورة زهرة عز

سمير اليوسف - الأردن


لا أقول تفاجأت بل أجزم وأؤكد أن القاصة المبدعة زهرة عز... تتحفنا باستمرار بإضافة قصة جديدة إلى إبداعاتها... لتغني نتاجها الأدبي بهذه النوعية من القص الواقعي والجميل والهادف.

يطغى على قصص المبدعة زهرة عز الطابع الوقعي، فهي تبحث دائماً عن المعاناة لتقولبها بشكل قصصي واقعي تعالج من خلاله المعاناة الحقيقية للناس من فقر مدقدع، ومن اضطهاد طبقي ، فنجد قصصها تخرج من بوابات البراكات المخلوعة إلى الفضاء الرحب، قصص تعالج ما يؤرق الناس من فقر سواء كان فقراً مادياً أو فقراً معنوياً، الناس الذين يتطلعون إلى لفتة إنسانية تخرجهم من واقعهم المرير إلى الأفضل.

في القصة التي نحن بصدد الحديث عنها "مرآة، خبز وقمر" أبطال القصة الزوج علال والزوجة نعيمة، فعلال لا يجد في نعيمة سوى مكان ليفرغ به حيواناته، ويتركها ترعى في أحشائها، " فقد حرّر حيواناته هذه الليلة، وتركها ترعى بأحشائها" دون الأخذ بعين الاعتبار أن نعيمة هي إنسان من لحم ودم ولديها مشاعر وأحاسيس ولا يوجد لديه أدنى اهتمام إن كانت قد استمتعت معه بالفراش أم لا، بالعكس يطلق عليها لقب مومس إذا ما صدر عنها أية إشارة أو تأوه أو صدر منها أنين يدل على نشوتها، ينتهي من العملية التي يقوم بها معها ويتركها تتلوى من الألم.

" وكان فظّا غليظ القلب معها حتى في سهراتهما الحميمية. يقضي وطره بسرعة وعنف، لا يكترث لرغباتها، وعندما تأوّهت مرة، وكانت في أوج نشوتها، وصدر منها أنين صارخ، لامها ونهرها.

- أنت بنت الناس وزوجة وأم، ولستِ مومس ."

تهرب نعيمة من هذا الواقع إلى المرآة التي اشترتها من بائع متجول ينبش أزبال الأغنياء... ليبيع ما يجده للفقراء... هذه المرآة كانت ملاذ نعيمة، فالمرآة لها وجهان، وجه يعكس الواقع المرير الذي تعيشه نعيمة، الواقع الحقيقي لما يدور داخل البراكة، حالة القهر والقمع من زوجها علال،  والوجه الثاني الوجه الذي نسجته نعيمة في خيالها، الحلم الذي ما انفك يلاحق نعيمة، حسناء ترتدي فستان نوم مخملي أسود شفاف يكشف عن سعادة هذه الحسناء في حياتها، الوجه الآخر للحالة الحقيقية التي تعيشها نعيمة واقع مرير مليء بالاضطهاد، والقمع وكبت المشاعر. هذا الفستان الشفاف الصارخ والذي يغطي تأوهات وأنين نعيمة المكبوتة، أما هذه الحسناء "نعيمة" فيظهر هذا الفستان مفاتنها وحيويتها واندماجها بكل أحاسيسها في العملية الجنسية بينها وبين زوجها... ولكن هذا الحلم لم يلبث أن يتوقف عندما قام علال بجرها من شعرها ويسقطها أرضاً ويوجه لها ركلة في جانبها الأيسر، ويرتمي عليها بكل ثقله ورائحته الكريهة، ومحاولتها مصارعة هذا الوحش فتغلق فخذيها وتشد على أطراف فستانها الحريري، ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل أمام وحشية علال، فتمزق الفستان وتمزق معه حلم نعيمة.

وتنكسر المرآة... وينكسر معها الحلم، لكن نعيمة تتمسك ولو بالجزء اليسير من المرآة، الحلم "أخذت أكبر قطعة من المرآة سلمت من هيجان علال"  في حين علال لم يتوقف من معاقرة الخمر وشرب الحشيش، وممارسة الجنس مع نعيمة بكل وحشية وقسوة ويتركها تتلوى من الآلم لعدم بلوغها اللذة المحرمة عليها .

لكن لا يمكن للظلم أن يستمر... ولا بد من ثورة على هذا الواقع فتقوم نعيمة بخلع باب البراكة، هذا الباب الذي كان يخبئ خلفه  كل قساوة علال في حق نعيمة، فاستطاعت أن تخرج من سجن علال واضطهاده إلى الشارع، وتتوقف في زاوية الشارع دليل على إعلان الثورة على الملأ وتستجمع قواها وتستعيد أشرعة حلمها،وتمسك ببقايا المرآة وتلعقها بلسانها لتزيل كل الغبار والشوائب العالقة بها، ولتفتج فجوة في هذا الظلام لضوء الشمس لينتشر من خلالها ويظهر جمال نعيمة ورقة أحاسيسها، ولن تتوانى من البحث عن حسناء المرآة ومقاضاتها حتى بضفيرتها.

لقد أبدعت في هذه القصة التي تحمل في ثناياها واقع مرير لن يستمر لأن رياح التغيير لا بد قادمة.