تصورات عملية لمواجهة مشكلة الفقر في مصر والوطن العربي



تصورات عملية لمواجهة مشكلة الفقر في مصر  والوطن العربي

بقلم / محمد سعيد محمد أبوالنصر

تُشكل ظاهرة الْفَقْر إحدى الظواهر الخطيرة التي تواجه  معظم دول العالم  سواء كانت دولًا متقدمة  أم دولًا نامية ،غير أنَّ حجم هذه الظاهرة  وأبعادها الاقْتِصَادِيّة والِاجْتِمَاعِيّة تختلف من دولة لأخرى ، وتعد الدُّوَل  النامية  أكثر الدُّوَل  تعرضًا  لظاهرة  الْفَقْر نَظَرًا لنقص  مُعَدَّلَات النمو  الاقْتِصَادِيّ  وزيادة  مُعَدَّلَات البَطَالَة وتدني مُعَدَّلَات الدُّخُول وعلى الرغم من النمو الاقْتِصَادِيّ الهائل الذي شهده ويشهده العالم منذ الحرب العالمية  الثانية  وحتى الوقت الحاضر ، وما حققه هذا النمو من تنمية اقتصادية انعكست على الرفاه البشري ،إلاَّ أنَّ كل المؤشرات والأرقام  تدل على أنَّ الفجوة   الاقْتِصَادِيّة بين الأغنياء و الْفَقْراء تتسع باطراد ودون توقف ،وبالتالي  ما زال  الْفَقْر والجوع ونقص العناية الصحية والتعليمية  والبَطَالَة وسوء التغذية ..أمورًا متفشية في العالم وخاصة في الدُّوَل النامية منه ، وأصبحنا نسمع ونشاهد ونقرأ عن أعداد هائلة من البشر يموتون بسبب  الْفَقْر الناتج عن الجوع والحرمان وقلة المياه النظيف وعدم وجود مرافق صحية آمنة  فالْفَقْر مِن أهم التحديات الاقْتِصَادِيّة الرئيسة التي تواجه العالم رغم التحسن الكبير في مستويات المعيشة التي نجح العالم في تحقيقها  خِلَال  العقد المنصرم، "ومِصْر واحدة مِن هذه الدُّوَل التي تواجه هذه المشكلة وتعاني منها " وقد بات خفض  الْفَقْر على رأس قائمة الأهداف التي تسعى الدُّوَل جاهدة إلى تحقيقها مِن خِلَال  تقديم المساعدات الْمَالِيَّة  والعينية والفنية التي يمكن أنْ تُسهم في خفض نسبة  الْفَقْر ،ومع ذلك "يُعاني المجتمعُ العالميُّ مِنْ هذه المشكلة ،ويُحاول جاهدًا البحث عن حلول جادَّة  للقضاء عليه أو التقليل مِن آثارهِ ، كما أنَّ الإحصائيات الرسميَّة للمنظمات الدولية تُنذر بوقوعِ كارثةٍ إنسانيَّة جرَّاء النموِّ المطَّرد لأعداد  الْفَقْراء  في العالم  الأمر الذي جعل قادة العالم  يتنبهون لهذا الوضع المتردي "والخطير الناتج عن الْفَقْر وما قد يؤول إليه من عدم استقرار في المجتمعات الدولية فلقد  أصبح الْفَقْر مِن أخطر الظواهر الِاجْتِمَاعِيّة والاقْتِصَادِيّة والسِّيَاسِيّة  التي تهدد الإنسانية جمعاء وبات خطره كبيرًا جدًا ،لأنَّه يهدد أمن واستقرار الأمم والشعوب ولذا فإنَّ الحكومات والمؤسسات الدولية قد أولت هذه الظاهرة جُل اهتمامها ، حتى أصبح موضوع الحد مِن ظاهرة  الْفَقْر أحد أهم الأهداف الإنمائية للألفية التي أقرتها منظمة الأُمم المتحدة . وقد رده كثير من الباحثين  والمهتمين الى  سياسة التحرر الاقْتِصَادِيّ وسوء التوزيع في الدُّخُول والعولمة  الاقْتِصَادِيّة  وغيرها مِن الأسباب التي سنذكرها .فالْفَقْر مِن أقدم المشكلات الإنسانية ،وهو "مشكلة عالمية يُعاني منها العالم قديمًا وحديثًا، وظاهرة اجتماعية ذات امتدادات اقتصادية وانعكاسات سياسية متعددة الأشكال والأبعاد، وهي ظاهرة لا يخلو منها أي مجتمع، مع التفاوت الكبير في حجمها وطبيعتها والفئات المتضررة منها" لما يترتب عليها  مِن أمراض اجتماعية كالجهل والمرض والانحراف الأخلاقي ، مع كونها تعيق تحقيق أهداف التنمية الِاجْتِمَاعِيّة والاقْتِصَادِيّة للمجتمع من جهة أخرى.. وينتشـر  الْفَقْر فـي الأراضي  المِصْرية حيث يُعاني المجتمع  المِصْري مِن مختلف أنواع الْفَقْر والحرمان، فما يُعاني  منه المجتمع المِصْر ي يعرضه  للدخول في المتاعب وضياع حقوقه  ،والنظرة إلى قضية معالجة  الْفَقْر قد تغيرت وبعد أنْ كان يُنظر إليها  باعتبارها مسألة  اجتماعية تستهدف مساعدة الْفَقْراء والإحسان إليهم  صار يُنظر إليها  باعتبارها مسألة اجتماعية  اقتصادية  تستهدف تحقيق  استغلال أفضل الطرق لطاقات  الْفَقْراء  غير المستغلة ،لهذه الأسباب دأب الدارسون والحكومات والمؤسسات الدولية على دراسة هذه الظاهرة  والاهتمام بها. "خاصة وأنَّها  ظاهرة معقدة ، ويختلف مفهومها باختلاف البلدان والثقافات والأزمنة، وأثر العوامل البيئية  والثقافية والِاجْتِمَاعِيّة  والاقْتِصَادِيّة عليه، ومعظم دول العالم وخاصة الدُّوَل النامية ما زالت غير قادرة على التخلص مِن هذه المشكلة  وذلك بسبب السياسات  الاقْتِصَادِيّة التقليدية التي تنتهجها ،وإدارتها للموارد وتوجيههـا لصـالح فئـات معينة مِن المجتمع ويُعْزَى ظُهور  الْفَقْر واستمراره إلى عوامل عديدة اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وسياسية ،فالْفَقْر ليس نقصًا في  الدَّخْل فحسب بل هو تهميش لطبقة كبيرة في المجتمع وحرمانها مِن الحد الأدنى مِن الحاجات الضرورية التي تضمن لها المشـاركة فـي الحيـاة الاقْتِصَادِيّة والِاجْتِمَاعِيّة والسِّيَاسِيّة والثقافية، ويدخل ضمن أصحاب الدُّخُول  الضعيفة  كل مِن الأرامل والمهجورات والمطلقات  المعيلات لأبنائهن ، والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة  الذين يفتقدون العائل ،وأطفال الشوارع ، وكبار  السن  مِن منعدمي   الدَّخْل   ولا يوجد مَنْ يكلفهم ، وهؤلاء الذين  تتقطع بهم سُبُل العيش  لضعف موارهم المادية  ولا تستجيب لمتطلباتهم  المعيشية  مثل العمال باليومية الذين تتأثر موارد رزقهم بالظروف الاقْتِصَادِيّة المتقبلة ." وبالنظر الى الحالة المِصْرية نجد أنَّ  الْفَقْر "يضرب بجذره في المجتمع المِصْر ي ،ويحاصر الملاين مِن المواطنين المِصْريين ،ويجعلهم يعانون مِن الجهل والمرض و البَطَالَة والحرمان   وذلك راجع إلى أنَّ مشكلة  الْفَقْر تتشابك مع قضايا كثيرة معاصرة كلهـا تتعلـق بقضايا التنمية الاقْتِصَادِيّة، فالْفَقْر عمليًّا هو نقيض لعملية  التنمية الشاملة. ومِن هنا أصبح واضحًا الاهتمام الكبير بمفهوم  الْفَقْر وأسبابه ومظاهره وآثاره وعلاقة ذلك بتوزيع الثروة فـي المجتمـع وطرق الحصول عليها، وفي  الْفَتْرَة  الأخيرة  شهد العالم اهتمامًا كبيرًا  بمفهوم  الْفَقْر  ووجه له حزمة مِن السياسات  لمواجهته ، وعلى أثر ذلك  اتجه الاهتمام بمسألة إشباع الاحتياجات البشرية  الأَسَاسِيَّة   كالاستثمار  في الموارد البشرية  وبما يسهم في رفع الدُّخُول   وتقليص  الْفَقْر ،وقد تزايد الاهتمام بضرورة القضاء على  الْفَقْر بعد اختتام القمة العالمية للتنمية  الِاجْتِمَاعِيّة في كوبنهاغن  عَام 1995م والتي دعت إلى التزام عالمي بمكافحة  الْفَقْر وإزالة آثاره، بحيث تم وضع خطط عالمية ومحلية لمحاربة الْفَقْر بجميع أشكاله،  وكما قيل الاعتراف بوجود المشكلة يمثل نصف الطريق إلى حلها، وحتى بداية التسعينات ظل العالم ينظر إلى الْفَقْر على أنَّه  يعني الحرمان المادي، وكان أسلوب مكافحة  الْفَقْر في ذلـك الوقـت يعتمـد علـى أنَّ النمـو  الاقْتِصَادِيّ  سوف يؤدي تلقائيًا إلى القضاء على  الْفَقْر، ثم أخذ مفهوم  الْفَقْر يتسع ليأخذ نظرة أكثر شمولية تعتبر أنَّ الحرمان المادي هو أحد عناصر  الْفَقْر وتعترف بوجود مظاهر أخـرى للفقـر وهي عدم إمكانية الفرد مِن الوصول إلى موارد معينة مثل التعليم والتدريب والوضع الصـحي الجيد وفرص العمل المناسبة والأُجُور المرتفعة التي توفر الحياة الكريمة، وعندما ننظر إلى النمو  الاقْتِصَادِيّ المِصْري نجد  أنَّه لا  يستطيع تحقيق أهداف التنمية  الشاملة وتحسين نوعية الحياة ، وذلك ناتج عن السوء في توزيع  الدَّخْل   مما يزيد من الفجوة بين الْفَقْراء والأغنياء ، ويظهر ذلك  بوضوح   في تركز الثروة والعوائد والنفوذ في  يد الطبقات العليا مِن المجتمع ، الأمر الذي قد يؤدي إلى عواقب اجتماعية وسياسية غير مرغوب فيه تقع على الْفَقْراء. وقد أشارت استطلاعات الرأي  بين سكان المحافظات  في جمهورية   مِصْر  العربية إلى أنَّ ثمار التنمية  لم يستفد  منها الموطن العادي  وذلك بالرغم من الجهود المبذولة  مما أدي الى تفاقم العديد مِن المشاكل ، وزيادة الفوارق الاقْتِصَادِيّة والِاجْتِمَاعِيّة بين المحافظات، وقد أدى  ذلك إلى تفاقم  العديد من مشاكل التنمية الشاملة   هذا كله بالرغم مِن اهتمام  الحكومة المِصْرية  ببرامج تخفيف حدة  الْفَقْر ، خاصة وأنَّ خفض  الْفَقْر يشكل  أولوية لديها  خاصة في ظل الضغوط والأزمات التي تتعرض لها مثل أزمات الغذاء  وارتفاع أسعاره ،والأزمة  الْمَالِيَّة  العالمية ،والثورات المتعاقبة ، ومحاولات ترشيد الْإِنْفَاق العَام مما أثر كل هذا  بالسلب على حالة  الْفَقْراء  وازدياد أعدادهم في  مِصْر ، وفي ظل الجدل  المثار حول برامج الدعم وأنظمة الأمان الِاجْتِمَاعِيّ وعدم قدرتها على الوصول إلى المستحقين في ظل ارتفاع نسبة  الْفَقْر  من 16،7% عَام 2000إلى 19،6في  عَام 2005م ليواصل الارتفاع  ليصل إلى 26،3% في  عَام 2013م ، وهو ما استدعى ضرورة الوصول إلى  الفئات المستحقة  ببرامج كفؤة للحيلولة دون تسرب الحوافز  والمنح  الِاجْتِمَاعِيّة ‘إلى غير  الْفَقْراء  ويعد استهداف الْفَقْراء  أحد البرامج العملية للحد مِن  الْفَقْر  والوصول بالحوافز للمستحقين على الرغم مِن عجز الموازنة  العَامة وانخفاض المخصصات الموجهة للبرامج  الِاجْتِمَاعِيّة . ويشير الواقع إلى أنَّ كل هذه الآليات  انطوت على عيوب كبيرة حالت دون تحقيق نجاح كامل في إجراء الاستهداف بأقل تكلفة مالية ممكنة ،كما كان التسرب مرتفعًا، وذهب الدعم والمزايا  الِاجْتِمَاعِيّة إلى غير  الْفَقْراء ، هذا إلى جانب ارتفاع التكلفة   الْمَالِيَّة  ؛ونتيجة لذلك كانت فاعلية  هذه البرامج  ضعيفة وتراجعت كفاءة الْإِنْفَاق العَام والاستثمارات العَامة ،ولهذا برزت الحاجة إلى تطبيق طرق وآليات جديدة للاستهداف الجغرافي للفقراء  وبخاصة في المناطق  الرِّيفية والقرى  ولقد تناولت العديد مِن الدراسات  سبل وسياسات عديدة لمكافحة  الْفَقْر  ،وكان تطبيق هذه السياسات من أهم النتائج الأَسَاسِيَّة   التي تقوم بها الحكومات لرفع المستوى المعيشي  للطبقات الفقيرة  ومحاولة الوقوف على مواطن الضعف في تطبيق هذه السياسات والنهوض بها  للتخفيف مِن حدة الْفَقْر والوصول إلى مستوى مقبول مِن الوضع الِاجْتِمَاعِيّ   اللائق للفقراء .ولكن على الرغم مِن الجهود  التي تُبذل لخفض درجة  الْفَقْر، تشير التقديرات إلى أنَّ نسبة انتشار  الْفَقْر تصل إلى درجات كبيرة خاصة  في البلاد النامية وتعتبر المنطقة العربية من المناطق المتعرضة لهذه الظاهرة والتي أصبح  الْفَقْر فيها  سمة بارزة تهدد كثيرًا  مِن ملامح أمنها  الاقْتِصَادِيّ  والِاجْتِمَاعِيّ  والسِّيَاسِيّ وباتت تقلق القائمين على صنع قراراتها ،فقضية الْفَقْر هي أساس المشاكل التي تواجهنا الآن مثل الإرهاب والتطرف الديني ،والتجمعات العشوائية ،وأطفال الشوارع ،وانهيار القيم الأخلاقية ومِن هنا  أحاول في هذه المقالات التعرف على أثر هذه الظاهرة  بكافة جوانبها وأبعادها و ذكر أسببها ، ووضع برنامج يحاول اصلاح أَوْضَاع الْفَقْراء ،ويساعدهم  على الخروج مِن تصنيفهم كأشخاص فقراء يقعون تحت خط الْفَقْر إلى أشخاص مستورى الحال ،بعيدين عن ادراجهم تحت خطوط  الْفَقْر المتنوعة.