حاتم سعيد - عابر سبيل



 عابر سبيل
قصة قصيرة


حـاتـم سعيـد 


-         اليوم قد أتممت عامي الخمسين , لا أعلم هل ضحكت علي الدنيا وفزت بها أم هي من قد قهرتني وإنتصرت علي ؟؟ 

المعركة لم تبدأ اليوم ولا بالأمس ولا حتي عند الميلاد .. صراعنا قبل أن أولد ربما , بالفعل .. أظن أوقات كثيرة بأن بداية التخطيط لمعركتي مع الحياه قد بدأت منذ تزوج أبي بأمي ولكن فلندع هذا الحديث جانباً الأن . 

لدي من المبررات الكثير التي تقنعني بأن الدنيا قد ربحت المعركة ولدي من الشواهد الأكثر بأنني من قد أنتصر ..!! , فقد شاهدت من تلك الحياه الكثير وقد عشت كل شيء ربما لو جمعت ما قد عشته ورأيته لوصلنا لألف عام , هذا هو الإنتصار الحق , شاهدت عوالم كثيرة وقد غرقت بمتاعها وملذاتها حتي أدركني الموت مرات عديدة أيضاً . 

ربحت من المال الكثير , الكثير فوق ما تتوقع مخيلتك , وصرفت الأكثر من ذلك علي ملذاتي وما كنت اتمناه , قد ذقت الحب بلوعته وإشتياقه وعزته ولذة شهوته المحرمة وعرفت من النساء الكثير فكرهت بعضهن ولعنتني بعضهن , هناك من رأتني الفارس المهناك من رأتني الفارس المغوار , وهناك من قد رأتني ذئباً بشرياً نتن يبحث عن جيفة يفرز بها ما قد تبقي من عفنه , أنجبت من الأولاد الكثير لا أعلم عنهم شيئاً الأن طوفت العالم بجمال عواصمه .. رأيت لندن وتمشيت بشوارع روما وكثيراً ما تناولت غذائي بمطاعم باريس , وقهوة الصباح ذقتها علي جبال الأرز بلبنان 

اليوم ما قد تبقي ؟؟! أتعلم لا شيء ... إسمي لا أتذكره ولا عائلتي ولا أين أسكن أكاد أعرف بأنني يوماً ما كنت شيئاً عظيما , لا ... عفواً ربما شيء نكرة . 

   *     *    *     

  بعد أن فرغ من رواية معاناته وكلماته التي لا أستطيع التفرقة فيها بين ما هو كاذب وما هو صدق , رأيته يبتعد ببذلته المتسخه وعصاه المثنية مثل ظهره بخطوات بطيئة يعبر الطريق أتدري أين هو ذاهب أما زال يسلك الطرقات بحثاً عمن يرمي بجعبته تلك الكمات الرنانة عن زمان غابر قد مضي , لم أعي الأمر أكثر من دقائق فحاسبت النادل وتركت المقهي بطريق عودتي مساءاً أجد تجمعاً بشرياً بجوار المقهي وجثة ملقاه بالمنتصف , أيكن هو .. بالفعل أنه هو ملقي علي وجهه وبجواره عصاه المثنية وشنطة بلاستيكية بها بعض أغراضه مشاعر مضطربة لم أعرف أحزن عليه أم لم أي الموضوع أي إهتمام سوي حادث في الطريق يتكرر باليوم عشرات المرات , هل بالفعل هو من إنتصر علي الحياه , أم بتلك النهاية المأساوية الحياه قد أعطته درساً قاسياً ؟ لم يمتد بنا العمر لمثل هذا السن الذي نتوسل فيه الإهتمام من البعض والسؤال من البعض الأخر , لما قد تستنفز الحياه بطولها وعرضها سعياً وراء مباديء وأحلام وأمنيات وحفنة من الأموال لتلقي بأخر الأمر علي قارعة الطريق جثة مجهولة الهوية ..!! عدت للواقع بعد لحظات من الشرود علي صوت نادل القهوة يخبرني بعودة الرجل بعد دقائق من إنصرافي ليترك لي رسالة , سلمها لي النادل مختفياً بين الزحام لأفتح الورقة أقرأ ما بها :  

-         أتعلم ... كان الدرس قاسياً , والإجابات معدومه , من فينا المنتصر صرنا نتعارك طوال سبعون عاماً , هي تريد مني إنسانيتي وأنا أريد منها اللذة ... هل تدري الأن من قد إنتصر ؟!

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +