خالد فتحي - عودة الأم



عودة الأم

خالد فتحي


21 مارس عام 1988.. 
                    درجة الحراره ربيعيه تترنح ما بين الـ 25 والـ 27 مأويه .. 

حلت بي نشوة السعاده والفرح الممزوجه بشعور الصغر عندما لاحت لي ذكرياتي انني في مثل هذا اليوم مُنذ عشرين عاماً عندما كنت اعتداد علي تقديم ذلك المظروف الوردي المُصاحب بالورده بيضاء التي أغمزها خلف أُذن تلك السيده التي كُنت أحيا ببسمتها التي بها كنت أري في ريعان شبابي طفلاً مُدلل مازال في السابعه من عمره.

تلك هي أمي التي شاء القدر أن تُصبح مصدر للهلاك ونذير لـ الرعب والزُعر كلما لاح خيالها أمامي. 

لم أتوقع طيلة حياتي انني سأخاف من أمي .. نعم قد أتت عليْ تلك المرحله التي بها كنت أخاف لحد الرعب من أمي للدرجه التي أوصلتني بالرغبه في تجنبها وعدم الميل في التعامل معها.

أمي التي كانت تصحوا ليلاً بعد أن ينام الجميع، تصحوا في منتصف الليل تنظر للقمر وتتكلم بأصوات ليست بصوتها. صوتاً أجش ومُفزع. تتهامس بكلمات غير مفهومه وتُنادي علي أشخاص غير موجودين في الحقيقه وتنظر أعلي الي السقف وتنظر لأسفل علي الأرض بإبتسامه كاد فيها أن يصل ثغرها لأذنها. 

أمي التي رأيتها تقف في الظلام وتُنير الشموع المُتراصه حولها والمحيطه بها علي هيئه دائريه. ممسكه بالدُف. وتبدأ في قرعه ثلاثة مرات وتسكت. ثم تعود لقرعه ثلاثه مرات أخري وتسكت. وفي كل مره تزداد سرعات قرعها.. حتي أراها ترتفع من علي الأرض وتدور وكأنها إعصار أقسم علي أن يُبيد الجميع

أراها هي .. نعم .. هي أمي .. ولكن بوجه أزرق شاحب. عيونها فارغه ينفذ السواد منها أراها من مضيق باب غرفتي مُرتجفاً وهي تقول: 

" بحق الطلسم الوارد بالمقابر.. بحق هيبة الملك.. سارو .. دهنش.. لاقيس.. وبحق ما أُتخذ عليكم من قسم.. أقسم عليكم بخرق الحجاب.. أقسم عليكم بالتجسد الأن ". 

أمي التي كانت كل ليله تقوم بدخول المطبخ وتقوم بإشعال جميع نيران البوتجاز دون أي سبب وتتركه. 

تقوم بتشغيل الخلاط وهو غير ممُتلئ وتتركه..

 تقوم بإحضار الطعام وتاكله. فكانت تُحضر اللحم النيئ وتأكله بشراهه بين أنيابها كأنها حصلت علي فريستها

أمي التي أري محاجر عينيها تُنير لوناً أبيضاً ساطع في الظلام الدامس. التي كل يوم أصحوا لأجد وجهها ملامس لوجهي. اتحسس أنفاسها وكأنها كانت في حلبة المُصارعه في الجوله الحاديه عشر لها أو كانت تعدو لمسافة مئتي ميل .. أري محجر عيناها ينظر لي في صمت.

أمي التي عندما تصحوا وأقوم بسرد كل ما حدث لها لا أجد منها رداً نافعاً يرضيني وكانت لا تنطق سوا بـ :

" مش فاكره حاجه .. والله مش فاكره حاجه " .. 

أصبحت أخاف من أمي والوقت الذي تنام فيه يكن عندي أسوا لحظات حياتي و لا أرغب بالنوم فيه مُطلقاً.

وظل يتكرر هذا الموضوع كثيراً في الأونه الأخيره.. والسيئ هذا المنزل أني الساكن الوحيد معها ولا يوجد أحد غيرينا. نعم وحيداً بعد وفاة والدي رحمه الله وبعدما تزوجت اختي ( مريم ).
بت اسأل نفسي كثيراً : هل والدي كان علي درايه بما يحدث لأمي ولم يقل لنا ؟!

لا أعلم .. 

وتوقف الموضوع تماماً ولم يعد يتكرر ولكن بعد أن تحولت حياتي بالكامل الى جحيم .. ليس من تصرفات أمي .. ولكن تحولت لجحيم بعد ذلك الإتصال الذي أتاني من خالتي لتقول لي: 

" ألووو .. ازيك يا حبيبي .. النهارده سنوية ماما الله يرحمها في بيت جدك .. حبيت أأكد عليك بس .. متنساش .. متنساش تدعيلها بالمغفره .. ادعيلها يابني .. ادعيلها " ..

لأعلم أن أمي قد ماتت منذ ثلاث أعوام مضت.. نعم منذ ثلاثة أعوام مضت.. فكيف لي أن أنام وأصحوا كل يوم لمدة ثلاثة أعوام دون أن اتذكر هذا !

هل أنا مجنون؟

واذا لم أكن بمجنون فمن تلك السيده التي كنت أراها بالمنزل في السنين الماضيه!؟ 

هل ماتت أمي حقاً أم إنها علي وجه الحياه .. حية تُرزق !! 

أخذني التفكير كثيراً والذي بعده ظللت أردت باكياً : 

" كل عيد أم وانتي طيبه .. كل عيد أم وانتي كنتي وسطينا " .. 

وبعد ذلك بـ بُرهات قبل أن أتهامس ضحكاً أنا وذلك الكائن الجالس بجواري .. أبي .. لنُحضر بعدها الدفوف ونبدأ في قرعها مُرددين :

" بحق الطلسم الوارد بالمقابر .. بحق هيبة الملك .. ساروخ .. دهنش .. لاقيس .. وبحق ما أُتخذ عليكم من قسم .. أقسم عليكم بخرق الحجاب .. أقسم عليكم بالتجسد الأن ".

#الكلمات_الدلالية:- طلسم, المقابر, عيد الأم, خالد فتحي, قصة قصيرة, قصص رعب, موقع ورقة, ورقة قاص, عودة الأم, خرافات


الإبتساماتإخفاء