لماذا حرم الإسلام الزنا؟


لماذا حرم الإسلام الزنا ؟
بقلم: محمد سعيد أبوالنصر

إنَّ تحريم الشريعة الإسلامية للزنا ، والمنع منه ، وتجريمه  الغرض منه صالح الانسان ، والمقصود منه حفظ حقوق الإنسان الدينية ، والأخلاقية ، وحفظ النسل والآداب في المجتمع وحمايته من التفكك الاجتماعي وقد أكدت الشريعة الإسلامية على المحافظة على هذه الحقوق بتحديد العقوبات التي تخوف المكلف الاقتراب من الأسباب المؤدية إلى هذه الجريمة قبل وقوعها وأما بعد وقوعها منه فالمقصود من العقوبة تطهير المكلف من ذنوبه ، والمحافظة على إنسانيته وأخلاقه المعنوية ، وفى الوقت نفسه ردع عموم المكلفين من الوقوع فيها وتطهير المجتمع من آثارها السيئة أيضًا من المقرر، أنَّ الزنا قبيح عقلًا وشرعًا لقوله تعالى{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} [الإسراء: 32] والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله لأنَّ ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإنَّ: " مَنْ حام حول الحمى يوشك أنْ يقع فيه ". ووصف الله الزنى وقبحه بقوله  {كَانَ فَاحِشَةً} أي: إثمًا يستفحش في الشرع والعقل والفطر لتضمنه التجنى على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد. إنَّ الآية "فِيها الْإِخْبَارُ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا وَأَنَّهُ قَبِيحٌ فِي الْعَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ فَاحِشَةً وَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ أَوْ بَعْدَهُ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الزِّنَا قَبِيحٌ فِي الْعَقْلِ أَنَّ الزَّانِيَةَ لَا نَسَبَ لِوَلَدِهَا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ: إذْ لَيْسَ بَعْضُ الزُّنَاةِ أَوْلَى بِهِ لَحَاقُهُ بِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَفِيهِ قَطْعُ الْأَنْسَابِ وَمَنْعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْحُرُمَاتِ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَإِبْطَالِ حَقِّ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي تَبْطُلُ مَعَ الزِّنَا، وَذَلِكَ قَبِيحٌ فِي الْعُقُولِ مُسْتَنْكَرٌ فِي الْعَادَاتِ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ" لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ النَّسَبُ مَقْصُورًا عَلَى الْفِرَاشِ وَمَا هُوَ فِي حُكْمِ الْفِرَاشِ لَمَا كَانَ صَاحِبُ الْفِرَاشِ بِأَوْلَى بِالنَّسَبِ مِنْ الزَّانِي وَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ الْأَنْسَابِ وَإِسْقَاطِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْحُقُوقِ وَالْحُرُمَاتِ. وقوله: {وَسَاءَ سَبِيلا} أي: بئس السبيل سبيل مَنْ تجرأ على هذا الذنب العظيم.

وفيما يلي بيان لأهم مقاصد تحريم الزنا :
1- حفظ الحقوق الدينية والأخلاقية الفردية والاجتماعية .
وردت آيات من القرآن الكريم في الحث على هذا المعنى

1-قال تعالى {قلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } [النور: 30، 31]

هذا أمر من الله عز وجل للمؤمنين أن يغضوا مِن  أبصارهم عما حرم عليهم ،وأنْ يحفظوا فروجهم من الزنا والفواحش "ولما كان غض البصر أصلًا لحفظ الفرج بدأ بذكره ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيُباح للمصلحة الراجحة ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة لم يأمر سبحانه بغضه مطلقًا بل أمر بالغض منه.

 وأمَّا حفظ الفرج فواجب بكل حال لا يباح إلَّا بحقه فلذلك عم الأمر بحفظه وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته وفي الصحيح أنَّ الفضل بن عباس رضي الله عنهما كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر من مزدلفة إلى منى فمرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه إلى الشق الآخر وهذا منع وإنكار بالفعل فلو كان النظر جائزًا لأقره عليه

2-قوله سبحانه : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)} [الأحزاب: ٣٥] قوله {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ }  أي عن إبدائها وإراءتها، حياء وكفّا عن مثار الشهوة المحرمة أو عن الحرام والفجوروبذلك حافظ الاسلام على الحقوق الأخلاقية للأفراد خاصة وللمجتمع عامة ، وهذه المحافظة تشمل جميع المكلفين ، ومن ثَمَّ تعم المجتمع فتصان

2حماية الفرد والمجتمع .
إنَّ من القواعد العظيمة التي تُحفظ بها الحقوق ما ترجم له الإمام البخاري بقوله : " ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إِلَّا فِي حَدٍّ أَوْ حَقٍّ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ بَلَدٌ حَرَامٌ أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ شَهْرٌ حَرَامٌ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" تضمن الحديث التشديد على أهمية حماية الأعراض ، فعطف الأعراض على الدماء والأموال من جنس التعظيم لها والتأكيد على أهميتها في استقرار الأفراد والمجتمعات ، لاسيما وأنَّ هذا التوجيه قيل في حجة الوداع والتي تضمنت حرمة المكان والزمان 

وللحديث بقية .