محمد عياد - الدكتورة بنت حضرة العمدة - قصة قصيرة





الدكتورة بنت حضرة العمدة

الكاتب/ محمد عياد

تدوى صافرة القطار بشدة تنبيهاً لدخوله المحطة، حينها يتقد الشوق في عيون المنتظرين والخوف في عيون المتوجسين، وترتسم البهجة على أوجه المستقبلين، يُسمع صرير عجلات القطار وهوا يهدئ من سرعته، وفي تلك الأثناء كانت مراسم الاستقبال في بيت العمدة تتم على قدم وساق، فارتاد الحراس الخيول، وعمت البهجة أرجاء المنزل وخفتت أصوات المتشاكين والمختلفين التي تدور في بهو الدوار ذلك اليوم، بأمر العمدة، فهو يوم بنت العمدة. 
على الجانب الآخر كانت ست الدكتورة قد نزلت من القطار تشتم هواء الصعيد النقي، تُمني نفسها بحضن والدتها وابتسامت والدها في فخر، تشتاق للفطير المشلتت صباحاً مع العسل الملون بسمرة الصعيد، تنفست الصعداء وتلفتت حولها لتجد الخفير يجول بعينيه بين من على الرصيف بحثاً عنها، وبعدما أشارت له ، سارع ليحمل الحقيبة مُرحباً بها وفرحاً بقدومها كفرحة والدها العمدة، فمن مثله اعتاد الفرح لفرح سيده، والنظر للدنيا من خلاله، وإذا ضاع سيده، ضاع بعده، كم هيا طيبة ورحيمة وتُثير الشفقة فرحة هؤلاء الأشخاص. 
تخرج من المحطة وهوا خلفها حاملاً الحقيبة لتجد السائق في انتظارها، تركب وتتحرك السيارة لتجول بعينيها بحثاً عن شيء لازال مفقوداً، يُشغلها لون الخضرة وتنتبه للبهائم التي تستحم في الترعة باستمتاع حيناً، وحيناً تُشغلها ذاكرتها بكل ما تركته خلفها في القاهرة قبل أن تصعد بقدميها لعربة القطار، يأخذها من ذلك كله صوت السائق وهوا يردد " حمدالله على السلامة يا دكتورة "، مع ابتسامة تلازم وجه الخفير وهوا يُمني نفسه بكرم العمدة ابتهاجاً بعودة ابنته، لترد عليه : " الله يسلمك يا عم أحمد "، ومع بزوغ السيارة في أول طريق الدوار، يصيح أحد الخفراء "الدكتورة بنت حضرة العمدة وصلت، اضرب عيارين يا ولاا "، تعزف فرقة المزمار البلدي وتتراقص الخيل من تلقاء نفسها ، تقف السيارة أمام أقدام العمدة، الذي يقف في أُبهة افتخاراً بابنته وتُطل أمها من الشباك لتُملي عينها منها، يُبطيء الزمن حركته من هنا ويطول اليوم ببركة أهل البلدة الطيبين وتمر أيام الأجازة في سعادة وابتهاج وترديد الحاجة باستمرار بأن ابنتها هفتانه من أكل أهل مصر، ودعاءها برزق ابنتها بابن الحلال، 
تنتهي تلك الأيام، وتجد نفسها في وداع أسرتها مجدداً لتضع قدميها في قطار القاهرة الكبير مرة أخرى بكل ما يحمله ولكن بنفس وروح قد تجددا كثيراً، تعود لمرضاها وكُتبها، تعود للبحث عن ذاتها والمُطاردة للحياة.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +