أحمد خضر أبو إسماعيل - وعادَ أيلول






 وعادَ أيلول

بقلم : أحمد خضر أبو إسماعيل



منذ عام...

في مثل هذا اليوم وعلى ذات هذه الشرفة كانت نسيمات الهواء تداعب ستائر غرفته المعتادة في هذا الفندق ,باح بسره لأحد الصحفيين ذات يوم : بأنه لا يجيد الكتابة سوى خلف هذا المكتب الذي يتربع خلفه أشبه بعرش سلطان عثماني , رائحة القهوة التي يطفو الهيل على وجه دلتها مثلما تطفو قوارب الموت على وجه البحر, تتمتزج مع رائحة التبغ التي كانت تسري في فضاء المكان, أوكسجين على حد تعبيره لايطيق حتى أن يسمح للهواء النقي أن يسلبه خلوته .

هكذا تذكر حديثه مع الصحفي وهرع ليدخل حجره لم ينسَ قط أن يغلق زجاج النافذة وقبل أن يوجه بصره إلى بهو الفرفة لاح أمام بصره شعلة من النار تتوهج في الحديقة التي يشمخ الفندق في باحتها الواسعة , بحنكة الروائي أمعن النظر في الشعلة وإذ بها جمع من الصبية يلتفون حوالها وكأنهم يؤدون طقساً من العبادة ,نعم هي بداية روايته الجديدة هكذا قال في سره .

رواية عن قطع اللحم التي شردتها حرب السنوات الخمس الماضية وجمعتهم جذوة الشعلة التي كانت هي مصدر الدفء الوحيد في صقيع هذه الحرب الباردة ,تابع النظر ولكن خياله راح يستذكر حديثه مع الصحفي عن روايته الأخيرة قاطع تفكيره رائحة اللحم المقمر وخطوات الناذل الذي يقترب بهدوء من باب غرفته وقرع الباب بخشوع ودخل بعد أن أذن له الروائي العظيم قدم الطعام بخشوع أيضاً وخرج , كانت.. سطور الرواية الجديدة تتسطر في ذهنه كان يقطع اللحم بسكين ويلتهمه بشوكة وشخوص الرواية الجديدة تتنازع على البطولة في مخيلته .

لكن الشخوص لا تستطيع رغم نزاعها أن تتجاوز خطوط الرقابة الحمراء في حواراتها داخل متن الرواية وهذا العظيم لا يسمح لتفكيره أن يتجاوز الخطوط أيضاً .

خطوط لا يفكر مجرد التفكير أن يضع سطراً بعدها , ورغم ضخامة المدرسة الرمزية كان يبتعد عنها يخشى أن عين الرقيب تستطيع فك اللغز بين السطور .

كان يرضي جميع الأعين المترصدة مقابل الشهرة والعرش العثماني الذي يتربع خلفه , في كل إطلالة خلف عدسة الكاميرة كان يرتدي قناع الشعب قناع الفقراء والنازحين والمظلومين كان يعتصر الدمع اعتصاراً مثلما التماسيح عندما تنهي تمزيق لحم فريستها بأنيابها , كان يحاصره سؤال الصحفي الذي استطاع أن يرى ماخلف القناع

المزيف : لمن تكتب ؟

حينها أجابه للشعب .... مازال يتذكر أن قناعه سقط أمام الصحفي على الأقل وتلاشى القناع في تمام الإجابة أنا واحد منهم أعيش مثلما يعيشون وطعامي من موائدهم امتزج عبق القهوة والتبغ بعبق النفاق الذي طوق المكان .

هنا فقط

تعلثمت لقمة اللحم المقمر المغمسة بدماء هذا الشعب داخل ثغره وشرب قليلاً من الماء .

لا أظنه عاد لرشده بل عاد لطبق اللحم مجدداً,  متناسياً حديثه وسؤال الصحفي وجوقة الصبية وجذوة النار

كان هذا العظيم عينة من المثقفين العرب

الذين أضحوا أشبه بعاهرة تقدم جسدها البض لجميع الزناة دونما خجل مقابل حفنة من المال وهم يقدمون الكلمة أيضاً

هم بنظر أقرانهم مثقفين ولكنها بنظرالشعب عاهرة ترضي جميع الزناة لكنها في خلوتها لا تستطيع إرضاء ضميرها

وهم أيضاً. أما من أشعلوا أقلامهم لينطقوا الحق عصفت بهم رياح تلك الليلة الباردة وجعلت من أوراقهم وريقات خريف صفراء يابسة تدهسها أقدام المارى لكنها ترضي ضمائرهم . وتشعل جذوة نار جديدة تبدد ظلام صمت الحديقة الفقيرة التي ترقد إلى جانب الفندق الشامخ  في مكان ما

انسل إلى فراشه متدثراً بلحاف الصوف وراح يحلم بتفاصيل الرواية....

  وجوقة الصبية افترشوا عراء الأرض

بعد عام ....

عاد أيلول  ليبشر ببرد الشتاء القادم

ويبشر رواية العظيم أنها ستكون رماد شعلة الصبية هذا العام

 وهم يقرأون ماتبقى من  وريقات الخريف