خالد فتيح (و) محمد الغريب - حكايات عباس



حكايات عباس

الكاتبان : خالد فتيح (و) محمد الغريب

كان خالد الملقب بصاحب الحدقة العظمي، والمراقب الأول يجلس كعادته في  شرفة النادي السوداني متوحدا في عالمه الخاص، مختبئا وراء عددا من الكتب، مداعبا لأذنه، وينظر الي الأسفل وإلي الأعلي في فضول وذهول معا، فقد كان هذا النادي في حقيقته مقهي يقع في الطابق الأول من مبني خشبي قديم يصعد إليه بسلالم خشبية مهترئه آيلة للسقوط كبقية المبني، ويتكون النادي من عدد من الغرف أكبرها غرفة الرئيس والخاصة بأعضاء مجلس الإدارة الذي نادرا ما اجتمعوا لشده الفراق والخصام فيما بينهم نظرا لعدم اكتمال النصاب القانوني ولوصلات السباب والشتائم بين الاعضاء والصراع حول السلطة الإدارية الواهية والاتهام المتبادلة بسرق الصندوق وتأتي بعدها صالة المصريين من رواد النادي التقلديين وتضم مجموعة من التعساء يلعبون الاوراق علي المشاريب دون حظ يذكر مع ضجيج يأتي من تلفاز رخيص الثمن وحديث العهد بالنادي لنأتي للشرفة التي تعد أبرز ما بالمبني فهي تقع علي شارعين وناصية هامة حيث قسمت عبر لافتة إدارية صارمة تحذر الرواد من عبورها إلي النصف الآخر والخاص بأعضاء مجلس الإدارة من أصحاب اللون الأسود والجنسية السودانية لذا فقد استأثروا بالجزء الأهم من الشرفة الذي يقع علي الشارع الرئيسي والذي لطالما حلم خالد بالجلوس فيه ومني نفسه بالحصول يوما علي علي عضوية النادي الخالدة نظرا لصداقته الهامة برئيس مجلس الإدارة والذي اذا ما ظهر اضطرب الحاضرون لصرامته وولعه بالقوانين واللوائح وأمور الضبط والربط بالنادي وإيمانه بدوره المجتمعي والأخلاقي ووقفوا جميعا لتحيته حيث كان قد أطلق وعودا في الهواء لخالد بضرورة وضع مصباح أعلاه لكي يساعده علي القراءة رغم كل الإجراءات المبطنه والتي تسعي لطرده كونه منبوذا ومحل شكوك من كافه المحيطين لقراءاته ونظراته التي لا تتوقف ، و تطل الشرفة علي شارع حيوي به الكثير من محلات الملابس والأحذية حيث حفظ خالد أسماء الباعه بل والطلبات التي يطلبونها من العمال بالنادي وحفظ الأصوات كذلك والقاطنون أمام النادي في العقارات المجاورة ، هكذا كان يجلس خالد منتظرا صديقه عباس الذي يفاجئه بالحضور في أوقات مختلفة حاملا معه كل ما هو جديد من أخبار وطرائف، ذاك الصديق الذي تمتد صداقته بخالد لسنوات عده خلال الدراسة وفيما بعد التخرج ثم أعوال البطالة التي لا يبدو أنهم سيخرجون منها ، حيث عرف عن عباس صداقته للجميع وشده إخلاصه وإيمانه بالصداقه أكثر من أي أحد .

في هذا اليوم تأخر عباس علي خالد، فشعر بالتوجس الشديد، ولكن بعد مرور عدة دقائق عاد الي كتبه ومجلاته الثقافية والفكرية، ومراقبة السائرون بالاسفل، وكان يدون بعض الملاحظات علي ما يراه، ويضحك قائلا لنفسه ما هذه المراقبة التي لا تتوقف، وما هذه الوحدة القاصمة بتلك الليلة الباردة اين عباس ؟ واين حكاياته العبثية ؟ومساعداته الصداقية التي لا تنتهي وطرائفه ومواقفه ؟ كان خالد يريد ان يهدأ قليلا من القراءة والمراقبة، من خلال الحديث مع عباس في اي شئ دون هدف، مجرد ثرثرة يومية ، فخالد يعشق عالم عباس كأنه مهدأ وقتي، يجلب له بعض السلام النفسي حيث يذكره عندما يتطلع لقسمات وجهه الطيبة والمتألمة بأن الدنيا لاتزال بخير، ويفصله عن مأساته الشخصية ووحدته، فخالد لا يعمل وليس هناك هدف واحد في حياته ليقوم به. 

مرت ساعة ولم يأتي عباس لخالد، ولكن صديق مقرب جاء ومعه خبر هام يريد ان يخبر خالد به، فقال له ان عباس في حالة انهيار تام، ولا يستطيع النزول ومقابلتك، أنه يحدث نفسه بكثرة ولا يتوقف عن البكاء متسائلا عن ماهيه العالم وأزلية الحزن البشري، فاندهش خالد من هذا الحديث المريب وشعر بالقلق، وتوقع ان عباس وقع في أزمة وجودية جديدة، ونظر بشرود إلي نهاية الشارع وفكر في من يكون عليه الدور هذه المرة، فكل مرة يحدث ذلك الامر وها هو عباس يسقط صريعا لتلك الحالة، فعباس يتأثر عاطفيا كثيراً لشده نقائه وإخلاصه !.

توقع خالد من خلال مراقبته لشؤون الاصدقاء ومتابعه تفاصيلهم اليومية بكل دقة ووضوح دون الشعور بالتعب او الخذلان، ان يكون مختار الأبيض ومحمد العجيب هم من ارتكبوا خطأ في حق الصداقة المعتادة، وعلي اثر ذلك سيتم استبعادهم، وقرر خالد الذهاب لعباس لمنزله لمعرفة هل هذا حدث بالفعل اما لا، فصارحه عباس ان الأبيض والعجيب  لم ينفذوا عهود الصداقة، وسعوا للبحث عن السعادة والترفيه دون تكاسل.

واضاف عباس له ان الامر خرج عن السيطرة خلال الفترة الاخيرة، فالأبيض عرف الكثير من الفتيات علي عكس ما تعاهدنا عليه من صداقة أفلاطونية لا دخل للمرأة فيها، وقد حصل علي مقادير ضخمه من السعادة والضحك وتناول المسكرات ومختلف صنوف الطعام بوسط المدينة متباهيا بما عرفه مؤخرا من مصطلحات وأفكار فلسفية لا يدرك كنهها ومعناها ولا يعرف منها سوي أغلفتها البراقة، أما محمد العجيب كعادته متطلعا للمجد الثقافي، يكتب بشدة ويبحث عن الشهرة النقدية والادبية في الوسط المعرفي حتي تحول لظاهرة مقالية خطيرة يتهامس حولها المتابعون ، هنا أخذ خالد عباس من يده وذهبوا للنادي السوداني غير عابئ بسباب والدته التي اخبرته بأنه هو من أضاع أبنها الأكبر وتسبب في جنونه المؤكد، حيث قال خالد لعباس وهما في الطريق يجب ان نترك امر محاكمة الأبيض والعجيب ليوم اخر، والان يجب ان تحكي لي بعضا من حكاياتك ومواقفك اليومية حتي أنسي المصائب التي تتري فوق رأسي .

كان عباس يحكي لخالد حكاياته مع الام الكبري، وكيف انها تسعي للسيطرة عليه وضبط افعاله، وافكاره، وسلوكه، وعدم توريطه في مشاكل مع الاخرين، ومع الاقارب، فكانت دائما تجري ورائه في المنزل وفي الشارع حتي تمسك به م ثم توبخه واحيانا تركله وتصفعه امام المارة، حتي يحسن التصرف ولكن محاولات الام دائما ما تفشل.

أستمر خالد في الإستماع لعباس مبتسما تاره ومتجهما تاره آخري لاعنا في سره تلك المآسي التي لطالما تمخضت عنها مواقف عباس الضاحكة في بدايتها والساخطة في نهايتها حيث استند علي المنضدة الخشبية المتآكله بفعل القدم والسوس من هو ما سمع فطلب من النادل قهوة وطلب لعباس شاي كون نقودهما لا تسمح سوي بتلك المشروبات الرخيصة نسبيا، واستمر عباس حتي اواخر الليل في الحكي والثرثرة دون توقف، وخالد يستمع وينظم حكايات عباس اشد التنظيم، كأنه يقوم بتجميع واعداد مادة علمية جيدة، وعندما تعب الاثنان من الحكايات، قال خالد لعباس في الغد لن تحكي مثلما فعلت اليوم بل سنقرأ فقط، ثم سنقوم بالبت في امر الأبيض والعجيب وطردهم من عالمنا، حتي يشعروا بالذنب، فرد عليه عباس أنه موافق تماما علي هذا الأمر وسيكون سعيدا اذا توصلوا الي حل جيد وواضح ازاء هذه المشكلة الصداقية المهمة.