نهي جلال - إنفصام (2)





إنفصام (2)

بقلم: نهي جلال


في هذه اللحظة، وبعد عبارات لينا التي أخرسته رغمًا عنه، سحبها آدم من يديها في هدوء، وانصرف دون أن يُلقي التحية على أصدقاؤهما الذين كانوا يتابعون الموقف من بعيد. 

عبر الطريق بها وهي مستسلمه كطفلة واثقة من والدها، فتح لها باب السيارة فألقت بجسدها النحيل على المقعد وأشعلت سيجارتها وهو يدور ليركب. أدار آدم المحرك مُتجهاً إلى شقته، بدا أنه بحاجه إلى بعض الخصوصية والهدوء. لم يتبادلا أية كلمة في الطريق، كان شاردًا بينما كانت مرهقه وكأنها قطعت مائة كيلو ركضاً، وكان صوت أنفاسها مسموعاً بوضوح.

أوقف آدم السيارة أمام البناية مباشرة، استقلا المصعد سويًا وحالة آدم في توتر متزايد. أسرع يتقدمها خارج المصعد إلى الشقة، وتبعته بخطوات ثقيلة وواثقة في الوقت نفسه؛ ترك الباب مفتوحاً وتوجه إلى الشرفة، جلس على الكرسي المقابل للسور، أغمض عينيه، واستند برأسه على راحتيه، متذكراً أول وهلة رأى فيها ذلك الوجه الملائكي البرئ. منذ ما يقرب من عام وبضعة أشهر لحقته سريعاً. يومها سحرته بعيونها الزرقاء، والتي يراها خضراء في بعض الأحيان. 

تذكر العبارة التي نطقها قلبه عندما التقت نظراتهما لأول مرة "عيناكي نافذة السماء". بدأ يسترجع أدق تفاصيل علاقتهما، لعله يجد أي شيء يُكذّب به حبيبته؛ كان صراعه الداخلي قد وصل لمرحله قاسية، فعلى الرغم من أن لينا كانت حقيقة، وهي تُلقي على مسامعه عباراتها التي مزقته وأفقدته صوابه، لكنه فضّل أن يجمع لها مبررات تدعم موقفه في التمسك بها. عاد يتذكر تلك الليلة التي مرضت فيها وارتفعت درجة حرارتها وبدأت في الهذيان، كانت تنادي على شخص ما وهي تذرف الدموع؛ حاول أن يتذكر الاسم، أغمض عينيه أكثر ووضع يده على رأسه بقوة ليعود بذاكراته إلى تلك الليلة التي مر عليها ما يربو عن العام.

وبينما تستمر محاولات آدم البائسة في اعتصار ذاكرته، كانت لينا تصب كأساً تلو الآخر، وتشعل سجائرها بلا توقف وهي ممددة في استرخاء على الأريكة، وتتمايل قدمها مع نغمات موسيقى الجاز، بينما يديها مشغولة بتصفح الفيس بوك. 

مرت أكثر من ساعتين، ما بين دخان السجائر، وصوت الموسيقى، وعتمة الذكريات. فجأة هب آدم من مقعده متمتماً الاسم في شيء من التردد، رفع عينيه إلى لينا اللامُبالية وملامحه تزداد قسوة، تحرك وأمسك يديها فأجبرها على الاعتدال، اتسعت عيناها ونظرت إليه بدهشة ممزوجة بالشفقة، وهو يجلس أمامها ويمرر يده على رأسه محاولاً التغلب على صداع الذكريات "مين يوسف؟"..

للحكاية بقية..


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +