خالد السيد علي - الخرابيش الأبجدية في الحياة الإنسانية



الخرابيش الأبجدية في الحياة الإنسانية  -  قصة قصيرة

خالد السيد علي

الخربوش الأول

     كريم طفل دون الخامسة .. نبغة يسابق سنه..رقيق المشاعر،مرهف الحس..ضئيل الحجم ولكنه ينمو كأي طفل إلا أن أحرف الكلمات تتثاقل فوق لسانه وتخرج إلي المسامع ببطء شديد،ورغم أن أمه ماتت منذ عامان إلا أن أبيه أصبح له كل شئ في الوجود..لم يفكر الأب في الارتباط بأخرى.. كان كل تفكيره في رفع مستوى معيشته بالعمل ليل نهار  فنجده عاملاً في المصنع بالنهار وبائعاً متجولاً ليلاً بأي منتج من أجل المجئ بالمال الوفير لشراء شقة صغيرة بدلاً من الغرفة الضيقة الشاحبة التي يسكن فيها فوق أحد الأسطح ،ثم شراء عربة لم يستقلها أحد قبله بدلاً من الدراجة البخارية التي عفا عليها الزمن.

الخربوش الثاني

وقد كان حلمه ، ففي أول يوم يستقل فيه العربة الجديدة المتراكم خلفها أقساط بمبالغ كبيرة أخذ كريم طفله إلي نزهة والسعادة تحفهما منذ الساعات الأولى من الصباح الربيعي..فما أجمل المنتزهات والملاهي ودخول أشهر محلات المأكولات..
     جلسا معاً أمام المنضدة وأمسك كلا منهما قائمة المأكولات .. ظل ينظر الأب في القائمة بتقطب دون أن يفهم شيئاً.. ليس لأن القائمة بلغة أجنبية بل لأنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة منذ الصغر..خطفته الابتسامة إلي عالمها ولمعت عينيه عندما سحب كريم ابنه قائمة المأكولات من يده بخفة ظل وهو يقول له:
أنا هختار الأكل يا بابا.
          وكأن جملة ابنه بمثابة طوق نجاة أنقذه من بحر الجهل ليرسو على شاطئ الأمان.. ظل طفله يستعرض الأطعمة ثم رشح لأبيه ولنفسه البتزا بالجمبري..
لم تكن الأحرف الثقيلة على لسان الطفل معضلة أمامه في التعلم بل كان سريع الاستيعاب والحفظ للحروف الأبجدية والأرقام الحسابية، وهذا ما جعله يقرأ ويكتب وهو في سن صغيرة..

الخربوش الثالث

     يمر الأب بأزمة مالية ما أن استغنى عنه المصنع الذي يعمل فيه ،فنتيجة التطورات التكنولوجية واستخدام الأجهزة الالكترونية بدلا من الماكينات العتيقة جعلت إدارة المصنع تستغنى عن العمال الأميين..
     الظروف الطاحنة جعلته يتقاعس عن سداد بعض أقساط العربة فوجد نفسه بين أمرين رد العربة لشركة السيارات بالخسارة وسداد مديونيته وضياعها للأبد أو أن يسدد الاقساط المتأخرة عليه تواً..
     قرر الحصول على قرض من البنك بضمان العربة ولكن البنك رفض طلبه فعرض شقته التمليك فوافق البنك..خرج من البنك يطير من فوق الأرض وهو في ذروة السعادة ليستقل عربته التي كان ينتظر فيها كريم . .فجأة داهمة الهلع مليّا وقد زاغت عينيه وهى تجوب المكان في عجالة باحثه عن طفله الوحيد الذي لم يكن بالعربة.. راح ينادي بصوت عال وهو يدنو من عربته وئيداً:
كريم.. كري ي ي ي  ي م..!!
طل الطفل برأسه من خلف العربة قائلا:
أنا هنا يا بابا..
ولكن قبل أن يلتقط الأب ابنه ويقذفه بين أحضانه ويقبله بشغف للعثور عليه فوجئ بطفله قد افترش على الأرض علبة المفكات والمفاتيح الميكانيكية وهو يحفر بالمفك على صاج العربة كلمات متعرجعه كالخرابيش بالبنط العريض .. جن جنونه وسحب دون شعور وبغضب جامح مفتاح فرنساوي وانهال على أصبع الطفل بالصفع المبرح حتى سالت الدماء،وكأن صوت صراخ طفله لم يصل لمسامعه وهو يحاول إخفاء يده خلف ظهره دون جدوى ،وكأن الدماء المتساقطة لم تشفع لبراءة الطفل ..فلم يستطع كريم تجميع أحرف كلماته الثقيلة في عجالة ليدافع عن نفسه ، فسرعان ما تبدلت الأيام الحلوة لمرارة الصبار ما أن تمكن منه الشيطان في بضع دقائق لكتابة الفصل الانتقالي في حياته ..
     خرج كريم من المستشفى وقد فقد ثلاثة أصابع من كفه الأيمن وفي اعتقاده أنها سوف تنبت مرة أخرى كالأسنان..بينما الأب نادماً مؤنباً نفسه.. كيف يفعل ذلك بطفله؟ كيف لم يتمكن من السيطرة على أعصابه ،واندفاعات الشيطان له وهو يقوده لغفلة يفقد فيها بصر عقله..كيف !؟

الخربوش الرابع

     وقف الأب مع أسطى السمكرى والدوكو ،وقبل أن يعاين الأسطى "الخرابيش" كما أطلق عليها الأب قال له الأب بتجهم:
أنا عايزك ترجعلي باب العربية زي ما كان ..دى العربية لسه جديدة وعليها أقساط.
دنا الأسطى من صاج العربة ونظر إلي ما كتبه الطفل ؛ وراح يهز رأسه بالإعجاب وقد انتابته برهة من الضحك قائلاً:
بقى هي دي الخرابيش هأهأهأهأ...
استغرب الأب من رد فعل الأسطى فسأله بتضجر:
وإيه اللي بيضحك في كده ؟؟؟
ابقى قول لابنك لما ييجي يكتب كلمة جداً.. يكتبها جيم.. دال.. ألف عليها شرطتين مش يكتبها جيم..دال.. نون..محسوبك متعلم معاه دبلوم صنايع..
بدا على وجه الأب عدم الاعتناء وقبل أن ينبس بكلمة استطرد الأسطى كلامه:
عشان لما ييجى يكتب لك تاني على صاج العربية أنا بأحبك يا بابا جداً يكتبها صح .
انهى جملته وراح يضحك وهو قد بدأ في مزاولة مهامه في إحضار عدة الشغل..بينما صاعقة الوجوم اجتاحت الأب ؛فشرد بعيداً وهو يكز على أسنانه وكيانه يهتز كأن بداخله زلزال مدمر..
أحمرت عينيه وتسمرت ،ولم تتجاوز الدمعات مقلتيه إلا عندما انهال قبلاته على كلمات ابنه كريم المكتوبة على شكل خرابيش ..!!!

الخربوش الخامس

لم يبكِ طوال عمره بقدر ما بكى هذه اللحظة عندما قال له طفله وهو ينظر إلي كف يده الصغير المنقوص :
هي صوابعي حتنبت تاني يا بابا زي سناني؟؟
عاود الأب البكاء واحتضن ابنه وهو يربت عليه ويقبل يديه.. لم يستطع الرد واكتفى بهز رأسه بنعم ..فعاود الطفل قائلاً:
العيال في الحضانة بيقولوا ليّ ما تعلبش معانا عشان ما بتعرفش تمسك الكورة كويس..
كانت كلمات ابنه كالسواطير تخرطه كلما رددها من حين لآخر عندما يرنو الطفل لأصبعه المبتورة أو كلما كانت عائقاً لتحقيق أهدافه الطفولية..
     من بعيد كان يجلس كثيرا يراقب طفله وهو يلعب محاولاً التأقلم على الحال الجديد والتعود على كفه المنقوص .. فالإرادة والمثابرة والمحاولات المتكررة عناوين متفرقة ومتنوعة يندرج تحتها فوز أي هدف يسعى إليه الطفل متخطيا إعاقته.. هذا ما كان يسكبه الأب في نفس ابنه وهو يطلب منه أن يعلمه الحروف الأبجدية .. بل الخرابيش الأبجدية..
برهة صمت  أعقبها تبادل الضحكات والقبلات..!
مع آذان الفجر قام الأب كعادته..
كان عبوساً ولكنه سرعان ما ابتسم.. فلم يكن حلماً بل كابوساً..
أيقظ ابنه من نومه العميق بقبلات أبويه حنونة، ثم جمعتهما صلاة الفجر، ومع شروق الشمس انطلاقا للنزهة حيث ليلة أمس كان قد تعصب على ابنه وأطاح به لأنه طلب منه النزهة في الملاهي إلا أن الأب كان لا يملك إلا قوت يومه..!! 


الإبتساماتإخفاء