مسافة بين - على عبدالله سليس


مَسَافَةُ بَيْن - قصص

على عبدالله سليس

ماذا لو قرر من قرر، فجأة، أن يغيّر وحدات القياس؟ أن تُخضع لنسبية آينشتاين؛ فيصير ما أراه، لا ما تراه؟ ماذا لو أننا قِسنا تلك المسافة، بين ما أقصده، وما يصل إليك؟
بين طريقتك في النظر إلى فكرة، أو كلمة، أو شعور.. وبيني.
هل تُدرك ذلك حين تبتسم لمواساة صديق عابر في فاجعة، وتشكره عليها، في حين أنك تتفجر باكياً لمجرد النظر في عينيّ آخر قريب؛ بعد ثوانٍ؟ هل تبدو منطقيّة، مُجرّبة.. بالنسبة لك؟
كيف تصير "كيف حالك؟" معطفاً حيناً، وعاصفةً رعدية حيناً آخر؟
كيف يمرّ موت واحدٍ، أو عشرة.. كرقم على أحدهم، وكزلزال يهزّ كل ما فيك، برغم وقوفكما على ذات المسافة؟
كيف لسؤالٍ أن يصبح طرفة؛ أو علّة وجود؟
هل تغدو المسافة واحدة، بعد كل هذا؟
ماذا لو حاولت، عبر مجموعة حكايا – هُنا – أن أقتحم تلك المسافة المنسيّة؛ كأن لم تكن"؟
إنها ادّعاء لمحاولة تشريح ما لا يُرى بالعين المجرّدة؛ كمعنى وجود سيارة قديمة في طريق، أو نظرة سمراء تطلب المال بجوار إشارة، كلمة أخيرة في فراق روحين.. أو حتى محاولة انتحار، بسبب كلمة. كل ذلك قد لا يعني شيئاً.. ولكنه هنا كل شيء.
- بهذه العبارات يدخل الكاتب علي عبد الله سليس باب الإبداع السردي بثقل ذاكرته وثراء ما تحتويه تجربته وعمق ما تنطوي عليه من رؤى ونقود وتأويلات لمختلف مظاهر الحياة الاجتماعية في مجتمع عربي بعينه، ويأتي العنوان الذي اختاره من مجموع حكاياته "مسافة بين" ليرسم المسافة اللاشعورية التي خطها السارد بين "أناه" وإبدالها، بين هوية الصحافي (المهنية) التي تبحث عن مادة مفيدة للقارئ وبين المشهد الخارجي الغير مشجع على الكتابة. "لا شيء يستفز الإبداع في هذه البقعة القائمة من الكرة الأرضية. كل الناس متشابهون، كلهم يولدون، يتعلمون، يعملون ويتكاثرون.. ويموتون" هذا ما استقرت عليه قناعة بطل القصة الذي امتهن الصحافة وحاول تغيير ما يراه في الواقع من تناقضات ومآسٍ عبر الخط الفاصل بين الحياة والكتابة؛ ولكنه لم يستطع فمن سيهتم بـ "مقتل متسولة دهساً فيما يبدو حادثاً عرضياً عن إشارة"، أو الاقتراب من حدود الشريعة في القصاص من رجل قتل زوجته بتهمة الخيانة "يقترب السيّاف... يرفع سيفه في الهواء، يهوي به على رقبة المُعدم. يسقط رأسه (...)، انصرفتُ عنه وأنا أضحك. بالطبع لن أورّط نفسي في قصة دموية كهذه، خصوصاً في مجتمع لا يعترف بحرية الصحافة". هذه الصورة ومثيلاتها مما يشهده واقعنا العربي في السياسة والإعلام والاجتماع تحضر بين مجموع حكايا الكاتب/ الصحافي في سياق ربما أراده المؤلف لإثبات الانفصام بين الذات الرائية وإبدالها المرئي.. الأنا المالكة للخبرة المهنية والثقافية.. والأنا الإنسانية التي تشعر بالمسؤولية تجاه ما يحدث ويستمر وفي هكذا حالات.. يكون الصمت في مستوى الكلام حين يجدّ.
- يضم الكتاب ثمانية عشر قصة قصيرة جاءت تحت العناوين الآتية: "صدأ، صديد.. وصدى"، "قاب كونين؛ أو أبعد"، "ناهد"، "مُرجِيحْة"، "يا حبيبي.. كل شيءٍ بقضاء"، "أسْمَر عَبَرْ"، "بعض"، "نصف"، "هُما.. أنت"، وعناوين أخرى.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء