حاتم سعيد - بدرية

موقع ورقة


بدرية . قصة قصيرة

حاتم سعيد

-         منذ فترة طويلة يقع هذا المنزل بأخر الشارع حين كان يمتلكه أحد الأجانب في ثلاثنينيات القرن الماضي , تصميم فريد لا تري الأن ... بأسقفه العالية ونوافذه الكبيرة وبلكوناته وحجمها الذي يساوي منزل مما يبني الأن بهذا العصر !! المنزل مصم علي دور واحد والدور الأرضي لا يسكنه سوي عائلتين , الدور الأرضي ملحق بالحديقة والدور الأخر ملحق بروف ( سطح ) ممتليء بالزهور والخضره  بإختصار المنزل يوحي إليك بجو تاريخي عريق بحق , مع مرور السنوات قد إستئجر وعاش بهذا البيت الكثير من العائلات إلي أن إنتهي المطاف بالسيدة بدرية التي قد إستأجرت البيت بأكمله .

علي وجه التحديد لا أحد يعلم منذ متي وهي تسكن بهذا المنزل , لكن بعض سكان المنطقة القدامي يتذكرون أن بدرية قديماً قد اتت للسكن بصحبة زوجها ولم تكن بمفردها كالأن وكان يوجد لديها أولاد وكل هذا قد إختفي مع الأيام , كثيراً ما كانت بدرية هي أساس كل الأساطير والحكايات بتلك المنطقة قديماً حديثاً .. فيتذكر بعض الجيران رجل كهل بلغ من العمر أرذله كيف كانت بدرية حين خطت بقدماها تلك المنطقة بشعرها الذهي وقوامها الممشوق وخطواتها الثابته وهي تسير في إشارة للجميع بأنها هنا ليلتفت الجمع إليها حاسداً زوجها , سيدات قبل الرجال ..!!

واليوم الحال لم يتغير كثيراً مازالت تروي الحكايات والأساطير عنها ولكن بإطار أخر فمنذ عشر سنوات تغير المنزل رأساً علي عقب ومعه بدرية أيضاً , فقد ذهبت بهجة المنزل أخذت تعلوه الأتربة وبيت العناكب علي النوافذ والجدران والحشرات تسير هنا وهناك لا لتبحث عن طعام فالبيت قد تحول لمنتجع قمامة من كل شكل ولون ولكن لكي يسروا عن أنفسهم ... المنزل إمتلاً بالقطط الضالة وكانت بدرية تحرص علي مأكلهم ومشربهم بشكل يومي ... أما هي فقد فعل الزمن بها العجب العجاب إكتسي شعرها بلون أبيض كالثلج القابع علي جبال لبنان ووجهها إذدادت
 به التجاعيد والكرمشة وجسمها قد إزداد وزنه فوق ما كانت عليه عشرات المرات !! تجلس بالنافذة الساعات الطوال شارده تنظر لنقطة واحدة لم تتغير .. زاوية ينتهي عندها الشارع منعطفاً لميدان واسع يقال أنها تنظر لهذا المكان منذ أن إختفي زوجها وأولادها ويقال أن زوجها إصطحب أولادها ورحل من هذا الميدان ولم يعد وهي مازالت بإنتظارهم سنوات ..

أحياناً يري الجيران منها أشياء غير طبيعية حيناً تقف بالبلكون تصرخ وتتكلم بصوت عالي تأمر من ليس لهم وجود سوي في خيالها بالإسراع بتحضير الغذاء ليأتي زوجها والأولاد ويجدوا الطعام جاهز , وأحياناً أخري تطلب من الأطفال المارة في الطريق بعض الأكياس البلاستيكية المهملة في الشارع ( قمامة ) يجمعوها ويأتون بها إليها لتأخذها وتدخل مغلقة خلفها النافذة بغضب !! إتهموها الجيران بالجنون وأحياناً أخري بالعبث مع الشيطان وممارسة السحر وأنها متزوجة من جان منذ جمالها البائد وهو من تخلص من زوجها وأولادها لتكن له وحده .

ولكن لم ينسي الجيران الحادث المشهود واليوم الغابر يوم الحريق المهول الذي نشب بنزل بدرية وإحترق بأكمله , ليتحول المنزل إلي كتلة من السواد وكلما قضي رجال المطافي علي النار المنبعثة بالمنزل تخمد لتشتعل مرة أخري .. وبعد ثلاثة أيام من إستمرار الحريق وفشل محاولات إنقاذ البدرية يدخل رجال الشرطة للمنزل ليجدوا النار قد دمرت كل ما به من أشياء حتي القطط التي كانت تعيش معها قد تفحمت وجثثها مبعثرة بالمنزل هنا وهناك , الغريب في الأمر أنهم لم يجدوا جثة بدرية بالمنزل لا متفحمة ولا اي أثر لها ولو أن المنزل كان مهجوراً لم يسكنه أحد يوماً !!

إختفت بدرية ولا أحد يعلم عنها شيئاً سوي بعض الإشاعات بانها ربما قد إختفت بمساعدة زوجها الجني وربما لم تكن موجوده بالأساس ..!!

وتظل الإشاعات والأساطير والحكايات تحكي وتقال ... فهذه هوايتنا وغايتنا منذ القدم .

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء