حاتم سعيد - السجين

قصص قصيرة - موقع ورقة

السجين ...

بقلم: حاتم سعيد 


الزنزانة الإنفرادية علي شكل مربع , بالحائط المقابل لبابها يوجد نافذه يكاد ضوء الشمس يدخل من بين قضبانها بصعوبة بالغة لينشر قليلاً من الضوء لمجدي الراقد بطرف إحدي الجدران الأربعه , ملقي علي وجهه الدماء تنذف من فمه ... يرفع رأسه و يرسم إبتسامة صفراء تعلوا وجه ويمسح قليلاً من قطرات الدم الساقطة أسفل شفتيه يسير للحائط بمساعدة يديه وسحب جسمه ثم يسند ظهره علي الجدران مستسلماً لعبث فأر يتجول معه بالزنزانة ....لم يعد يدري للأيام عدد فهو لا يتذكر منذ متي وهو سجين ولكن ما يتذكره هو تاريخه من النضال كما يتصوره بعقله في فرض وجهة نظره علي المجتمع , فهو يري أن هناك بعض الأشخاص لا يستحقون الحياه ولابد الخلاص منهم ..!!
 بأواخر الثمانينات كانت تمتليء صفحات الجرائد بحكايات مجدي السفاح الأشهر في تاريخ الجريمة , فقد كون فرقته الإجرامية تحت إسم ( الإنتقام ) والتي كانت تهدف إلي تخليص العالم من الشخصيات التي يرونها من وجهة نظرهم يدمرون الأرض وينشرون الفساد بها في منتصف الثمانينات وجدت المباحث جثة الممثلة الشابة لمياء عادل مقتولة بعدة طعنات في شقتها وأعلي جبهتها جرح يشكل علامة هتلر النازية وبجوارها ورقة مكتوب بها ( سنفعل المزيد من أجل إنقاذ البشرية منكم ) توقيع فرقة الإنتقام , بدأت تنتشر الجرائم لشخصيات عامة ورجال أعمال وفنانين بنفس الطريقة وعلي كل جثة يجدون علامة هتلر النازية مع إختلاف مكانها علي الجثة , نشأته لم تكن طبيعية فهو إبن غير شرعي لرجل لا يعترف بوجوده وأمه كانت تعمل بالدعارة لفترات طويلة ومدمنة للمخدرات , نشأ متجولاً بالشوارع إلي أن وجد غايته بقرأة الكتب السياسية التي بالطبع لم يفهم معظمها لعدم تكملة دراسته ولكنه قد كون وجهة نظر خيالية من بعض الجمل التي قد قرأها فكان يعيش بين الأرصفة وصناديق القمامة وقد قرر يوماً وهو في الثلاثون من عمره تكوين عصابته وأطلق عليها إسم ( الإنتقام ) ولها فلسفة خاصة هي فرض فكره علي العالم وإنقاذ المعدمين أمثاله من سطوة المتعلمين والأغنياء إستقطب بتلك العصابة المراهقين والفاشلين بحياتهم مثله وإقتنعه بفكره وقرروا تنفيذه وكانت أول تلك الجرائم مقتل الممثلة الشابة لما إشتهرت به من تجسيد دور المرأة الأستقراطية ..!!
 الأن يعلم مجدي أنه بإنتظار تخفيف العقوبة عنه ليخرج للحياه ويراها , جميلة ... تلك الفتاة التي تصغره علي الأقل بخمسة عشر عاماً أخر المنضمين لفرقته ملامحها غجرية تميل للوحشية برغم صغر حجمها عيناها ضيقتان تنم عن مكر ودهاء بشخصيتها أول لقاء له بها كان منذ خمس سنوات قبل أن يسجن كانت مؤمنه بأفكاره التي قد قرأتها عن طريق الصحف وظلت تبحث عنه وعن فرقته إلي أن وجدتهم وإنضمت إليهم بلقاءهما الثاني قد إعترفت له بحبها وإنها ستنتظره إلي أن يخرج ويتزوجان منذ إنضمامها لفرقته لم تنفذ معهم سوي جريمة واحدة وهي السطو علي أحد البنوك وهنا قد تم القبض عليه لأنه نادراً ما كان يخرج يعمليات للفرقة فهو يوجهم ويرسم لهم الخطة فقط فهو لهم بمثابة الأب الروحي .... ربما أعلي من ذلك .
 دوماً ما كانت تأتي جميلة لزيارته وتلبي له إحتياجاته من مأكل وسجائر وملابس فقد كانت مؤمنة به لأبعد الحدود وبإحدي اللقاءات التليفزيونية كانوا يهاجمونها بسبب إرتباطها برجل مجرم وتنتظره وهي مازالت بمقتبل عمرها وتستطيع الأن إصلاح ما قد أفسدته بحياتها والبدء من جديد فتنظر جميلة لعدسات الكاميرا وبإبتسامة باهتة وعينين زائغتين من كثرة تناول الأقراص المخدرة وتقول للأسف إلي الأن أنتم لا تعلمون المعني الحقيقي للحب .... أن تحب إنساناً .
 ظلت الأيام تمر علي مجدي دون إنتظار أي شيء جديد بتلك الزنزانة ولكن مازال معلق بعقله ومخيلته جثة والده الذي قام بقتله وهو في سن الثالثة عشر أول جريمة قد إرتكبها بمفرده ,حين كان والده يعمل بورشته وقد هجم عليه مجدي من خلفه وسدد له عدة طعنات ثم رسم علامة هتلر النازية بقدمه اليسري بنفس السكين الغريب في الأمر أن والده لم ينبث بحرف واحد بل إكتفي بالنظر لمجدي وهو يقوم بطعنه .
 والأن بعد مرور تلك السنوات يتذكر مجدي نظرات والده وهو يحتضر مقنعاً نفسه بأنه يستحق هذا المصير لما قد إرتبط بعاهرة منذ البداية ؟ وما جدوي أو هدف وجوده بتلك الحياه من الأساس لكي يعيش بين الشوارع متنقلاً قذراً وجائعاً لم يجد وفاء إلا ممن قد أمنوا بفرقته أعضاء عصابة الإنتقام .
 يتحرك مجدي محاولاً الوقوف علي قدميه ويصرخ بصوت عالي بشكل هستيري 
 - أنتم تستحقون ذلك , اللعنة عليكم جميعاً لما قد تركتموني ذليلاً جائعاً أقاسم القطط والكلاب الضالة طعامهم بصناديق القمامة والأن تتهموني بالقتل والوحشية ... أنا ذلك من تتحدثون عنه ؟؟!! أنتم وحوش بأشكال بشرية لكي تتركوا من هم أمثالي يعيشون بهذا الجحيم .
 صوت المفاتيح يجلجل بالزنزانة معلناً فتح الباب ودخول العسكري المكلف بحراسة مجدي ووجبة الغداء بيديه ليجده ملقياً علي وجهه وبجواره علبة دواء وجملة مكتوبه علي الحائط ( سامحيني يا جميلة حاربناهم وإنتقمنا منهم كثيراً ولكنهم قد إنتصروا علينا ..... فلتهربي )


الإبتساماتإخفاء