م. حسن حلمي يكتب: "كوابيس مملة" بين أحلام المراهقة والوجع المعاش



بين أحلام المراهقة, والوجع المعاش
قراءة في ديوان ( كوابيس مملة 2016) للشاعر محمد ممدوح خيرالله

الكاتب: حسن حلمي

     
     أحياناً يأخذنا الحنين للعودة إلى مواقع الوجع والشجن الجميل, نحن دولة العواجيز الذين عاشوا على كلمات بيرم وحداد وجاهين والأبنودي . لكن الشباب اليوم يميلون إلى الكلمة الخفيفة, والسريعة التأثير, والإيقاع الصاخب أحياناً . هذا الديوان الذي بين أيدينا ( كوابيس مملة ) به هذه الدفقة الشبابية, بإهدائه الخفيف, الذي لا يخلو من رومانسية, رغم عنوان الديوان الصادم ( كوابيس مملة ـ أوجاع بالعامية المصرية ) كأنه لم يكتف بالكوابيس, لكنه يخطرنا بمواطن الوجع اللذيذ بعاميته المصرية, ومعجمها الفذ بين اللهجات العربية الأخرى .

    يقع الديوان في عشرين قصيدة باللغة العامية المصرية ( ولست مع الشاعر أن وصفها : أوجاع بالعامية المصرية ) لم تخرج كل القصائد العشرين عن خط الحب الأول, والمغامرات الطفولية, حتى عناوينها ( عن احساسك ـ الرد من غير صوت ـ كتر الوجع ـ صح ـ محتاجين ـ تشبهيني ـ يا حبيبتي ـ تنكريني ـ الرقصة الأخيرة ـ . . . .  ) عدا قصيدة واحدة بعنوان( ثورة )   

  يبدأ الشاعر ديوانه بقصيدة من بدايات الخطوات الأولى للمراهقة. حيث يتكئ على تعبيرات بالغة الطفولة ( كان طريقنا لسة واحد ) :

                       وانت فايتة كنت بافرح
                       كان في نفسي مرة أصرّح
                      ان حبك عبّى صدري .

ثم تمتد القصيدة بصورها الطفولية :

                      كان ضروري أحس إنك مش كفاية
                      مش حكاية ع الورق سابت قصايد 

وتأتي القصيدة الثانية ( عن إحساسك ) على نفس المنوال . ويكون الرد على تلك القصيدتين من الحبيبة الصغيرة ( الرد من غير صوت ) كأنها تخجل أن تبوح له عن حبها له . كتر الوجع بيعلم الرحمة . . الذي نفاها في نهاية قصيدته كتر الوجع بيعلم القسوة ويختم بجملة فصحى لا يمكن أن ننطقها بالعامية ( قد غلّمه الرحمة ) . وتنساب كلمات الحب والعتاب في ( كتر الوجع بيعلّم الرحمة ) والأوضة . لتأتي القصيدة الماستر وهي قصيدة ( كوابيس مملة ) والتي يأخذها الديوان كعنوان له . وهي بالطبع جملة تقريرية, فكل الكوابيس مملة, وليست مبهجة على الاطلاق . تأتي القصيدة في 24 مقطوعة, والتي تبدأ بسؤال طفولي بريئ عن الجنة والنار. ثم تتسرب الكوابيس التي لا تخلو من رومانسية تتحدى تلك الكوابيس :

                                     يا ريتك تصحي لثواني 
                                    أقولك تصبحي على خير
                                    وتبقي تنامي من تاني

ليبرع في سرده بجمل شديدة الثراء الطفولي اللذيذ :

                                    بأول حضن في السيما
                                    وأول بوسة مكسوفة تسيب خدك 
                                    وأول عيد بيحضرنا 
                                   ويبقى للفسح قيمة 

                    ثم يختم :      يا كل أحلامنا البريئة 

                                  يا كل ثانية بتتولد 
                                  تخطف معاها العمر خطف 

من قال أن هذه الكوابيس مملة, من قال أصلاً أنها كوابيس . مع كل هذا الشجن والرومانسية والجمل المكتوبة بعناية لتحفر صوراً جميلة للحب زمان .

................................

وكأني لأول مرة بقول من قلبي أنا بكتب شعر 
وكأنها آخر مرة ها كمل فيها قصيدة . . 

وهي من بحر المتدارك ( فعلن فعلن فعلن فعلن ), والقصيدة جميلة ومتزنة وفيها عمق رمانسي جميل يأسر قلب البنت حين تقرأها . نجح فيها الشاعر أن يرصد بجد حلمه الضائع بين سكرات الموت .

كان نفسي بجد 
لكن أحلامي اللي اتمنيتها ف عمري

قتلها الوقت                            ( استهلكها الوقت أفضل)

...............................

ويرتد في( ضحكة فردي ) عن اللغة الشاعرية السهلة لتدخل جمل عامية دارجة غير موزونة, وتفقد القصيدة التدفق الشاعري :

                             وشربة المية من النيل 
                             ووشوشة الصدف 
                              . . . . . . . . . .
                             يا ريت تِحلي عن سمايا وسكتي
                             . . . . . . . . . . . . . . 
                             بلاها دي القصة 

ويدخل الشاعر في معركة وهمية في قصيدة ( تنكريني ) ويخرج عن وقار الحب والتسامح, فالحب وإن مات . . يسامح, لكنه أخذ منحى السباب وهو غير وارد في لغة الحب :
                              زيدي بس الطينة بلة
                              أصل أنا محتاج مذلة
                              عشان أحدد
                              قد إيه لازم أسّبك
                              والعن الصدفة الغبية       
                              وأطعن القلب اللي حبّك 

في قصيدة الرقصة الأخيرة, وهي كما فهمت عي رقصة الموت, لكنها رقصة بدون إيقاع حزين ـ فرفرة الجسم لحظة طلوع الروح ـ لكنها رقصة هيستيرية فيها التشفي . تكررت جملة ( مين اللي يقدريخلعك مني ) مرتين بدون داعي . . . . 

     وتأتي قصيدة ( ثورة ) منفردة بين القصائد الرومانسية الجميلة لتقطع استكمال بقية الحكاية التي يرويها الشاعر بحس مرهف, ويعرج بنا إلى منطقة الشجن والألم والخيبة والانكسار, ويعبّر عنها الشاعر بلغة بسيطة شجية يقتبس مفردات لغته من ميدان التحرير ـ رمز الثورة ـ ثم تعود بقية القصائد بعدها لنفس الخط الدرامي للديوان ( مكنتش قد تجريحك ـ تشبهيني ـ يا حبيبتي ـ الخوف ريموت كنترول ـ أنا بعينه ـ نُصْ فاجر ) . 

     للشعر العامي المصري خصوصيته وتميزه بين اللهجات العربية الأخرى . فالدارس الواعي للشعر العامي المصري يجد نصوصاً شديدة الثراء والتركيز والصور المشهدية المبهرة, والذي تطور على يد بيرم التونسي, ليأتي بعده عمنا فؤاد حداد ليضع قواعده, وخصائصه, ولغته, وموسيقاه, ومعه بالطبع الرائع صلاح جاهين, ثم يأتي بعدهما الخال الأبنودي وسيد حجاب وغيرهما لتكتمل الصورة التي وصلت إلينا الآن عن الشعر العامي . وإذا كان علينا أن نكتب شعراً عامياً فيجب علينا أن نقرأ لهؤلاء أولاً, ونهضمهم, ثم ننطلق بالتجديد عليه لنطوره . لذا فقد خرج إلينا الشعر العامي النثري على يد مجدي الجابري, ومسعود شومان, ويسري حسان, وغيرهم . . . . 

والشاعر محمد ممدوح خير الله يمتلك أدوات هذا الشعر العامي, والموهبة التي لابد منها, ليكتمل عنده مقومات الشاعر . وهذا هو ديوانه الثاني, ولم يسعدني الحظ قراءة ديوانه الأول, لكنه في ديوانه الثاني قد استكمل أدواته اشعرية لكي يكتب شعراً عامياً راسخاً متعدد الصور والدلالات والتأيلات, ويستطيع ـ وهو قادر على ذلك ـ أن يتجاوز مرحلة المراهقة إلى شعر أكثر ثباتاً ورؤى وفلسفة . وأظن أنني سوف أقرأ له قريباً نصوصاً تحمل هموم الإنسانية . 

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء