قدرى الراعي - الكابوس - قصة قصيرة



الكابوس - قصة قصيرة
بقلم: قدرى الراعي


- قوم بقى يلا .. الولاد جاهزين من بدري وفرحانين .

ترمقني زوجتي في حبٍ , وهي تمسح بيدها الرقيقة على شعريَ الأشيب , وعينيّ المكدودتين , كأنها تزيل آثار النوم .. تحاول استيقاظي بإلحاح ..

- يا ستي أنا تعبان , عاوز أنام شوية .

- لا .. مش هسيبك , وبعدين الولاد عاوزين يلحقوا المَصْيَف قبل الليل ما يدخل .

- يا سلام .. وإيه يعني لو رحنا متأخرين شوية ؟

- يلا يا كسلان .. العيال عاوزين يبلبطوا في المية , ويلعبوا أكبر وقت ممكن .

- طيب .. طيب .

في استسلامٍ , أزحتُ الغطاء عن جسدي المنهك , وتهيأتُ للأمرْ ..!

وترحمتُ في عميقي على أديب روسيا الكبير " ليو تولستوي " , وتذكرتُ عبارته الشهيرة : " إن أحدًا لا يستطيع أن يقول رأيه في زوجته إلا إذا أحكموا إغلاق باب قبره عليه .!! " لقد كان الرجل عاطفيًا أكثر من اللازم , وكانت " صوفيا " - زوجته - عاشقةً له , لكنها كانت واقعيةً أكثر من اللازم ..! ولهذا عاشا مختلفي الطبع والمزاج ..

- ممكن آكل أي حاجة طيب قبل ما نخرج .

- قوم بس يلا .. أنا مجهزة ساندوتشات وترمس شاي , والذي منه ..!

غادرتُ فراشي أخيرًا .. لا مناص من الإذعان , وليس بوسعي أن أقول : لا , لرئيس جمهورية مملكتي الصغيرة .. لا أريدها حربًا إعلامية بيني وبينها .. الأمر لله ! .. حشرتُ جسدي المتراخي في ملابس الخروج .. وأصواتهم تستحث همتي , وتشاكس سكينتي ..!!

يلا يا بابا ..

أوام يلا ..

شهل بقى بسرعة .. الوقت بيجري

أتساءل في نفسي : مش عارف .. هم مستعجلين ليه كده ؟!

انقضت نصف ساعة ..كنا بعدها في الشارع العمومي نصطفُّ كفرقة موسيقى محلية ..!

توقفت سيارة الأجرة أمامنا .. ميكروباص قديم منقوش على خلفيته الآية الكريمة " وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم " .. تعلقتْ عيناي بالآية الكريمة  لحظة , وضحكتُ في نفسي .. وتساءلتُ : أي علاقة ترى بين هذا المركبة البالية وسفينة نوح عليه السلام ؟! .. في بلادنا لا فرق بين عدد السكان والليمون ..! وكل شيء في بلادنا مستقر في قاع البلاصي إلا العدد , أقصد عدد السكان طبعًا ..!! فالرجل والمرأة في بلادنا تأخذهما شهوة الإنجاب ؛ بدافع إثبات الفحولة في الأول والخصوبة في الثاني.! ولهذا فهما على استعدادٍ للتنازل عن كثيرٍ من أحلامهما والاقتيات على " العيش " و " المش أبي دوده "   ولكنهما أبدًا لا يتنازلان عن كثرة الإنجاب وتكراره ..!! ولهذا فالزحام في بلادنا قاتل , والعدد في الليمون كما يقولون ..! ..و ..و .. توالتْ على خاطري الفكرة في إثر الفكرة , حتى توصلتُ إلى تفسيرٍ فلسفي لكتابة هذه الآية الكريمة – دون غيرها – على اللوحة الخلفية للميكروباص , الواقف أمامنا – للتو - فاتحًا ذراعه ..! ربما كان السبب هو انعدام الفرق بين الزحام والطوفان , وعلى رأي  أحمد عدوية  : زحمة يا دنيا زحمة , زحمة ولا عدش رحمة , مولد وصاحبه غايب ..! ومن ثم فالفرقة الناجية هي فقط من ستركب وتنجو من الطوفان , أقصد الزحام ..!!

المهم ..

ألقيتُ نظرةً على داخل الميكروباص , فلم أجد سوى مقعدين خاليين .

تراجعتُ خطوة إلى الوراء فشدني ابني قائلا :

- انت لسة هتستنى .. يلا يا بابا

- يا ابني .. مفيش مكان يكفينا .

- لا .. في مكان , انت وماما على الكرسيين , وأنا على رجليك وأخوى على رجلين ماما .

- يا سلام ..!

ولم يمهلني فرصة .. ودفعني إلى داخل السيارة ..

زوجتي تبتسم ..

وانطلقت السيارة ..

وعند حدود منطقة الجربي وبداية البوابة الرئيسة لمصيف رأس البر ..

توقفت السيارة ..

وأحسستُ بانقباضة في قلبي ..

يا إلهي ..!

ماذا أرى ؟!

يافطة عريضة مرسوم عليها علم إيطاليا ..

ومكتوب عليها عبارة باللغة العربية : مرحبًا بكم في مدينة رأس البر ..

تساءلتُ في دهشة لم تخل من فزع : أي علاقة ترى بين رأس البر ودولة إيطاليا العظمى ؟!

يا الله .. ماذا أرى ؟

جنودًا مدججين بالسلاح في زي عسكري لا علاقة له بزي العساكر المصريين ..!!

وجوه غربية ثعلبية ترتسم على تضاريسها ابتسامات صفراء ..

أحدهم يستوقف السائق قائلاً له : الرسوم .. الرسوم

بلكنة عربية مكسرة قالها في تحدٍ لا يخلو من غطرسة وعنجهية .!

دفع السائق إليه بورقة من فئة خمسة دولارات ..! وهم باستئناف السير , فأشرتُ إليه بالتوقف , وسألته :

- مين دول ؟

- دول الطليان

- وبيعملوا إيه عندنا في مصر .؟!

- هو انت مش عارف ولا إيه ؟

- لا والنبي .. مش عارف .

- مصيف رأس البر أصبح تحت السيادة الإيطالية .!

- نعم يا عمر ..وفتحتُ فمي كالأبله .!

ضحك السائق وهو يقول : يظهر إنك جاي من ملكوت تاني .. يا عم الحاج فوق بقى .. انت ضارب حجرين بانجو , ولا إيه ؟!.. مية رأس البر بقت مياه إقليمية خاضعة للسيادة الإيطالية .

- لا .. أكيد انت بتهزر .. لا .. لا .. قول إنك بتهزر .

قطع حديثنا عسكري إيطالي وهو يزأر بصوت كفحيح الثعابين

ويقول للسائق في حدة : جو .. جو ( يعني اذهب ثكلتك أمك )

و .... و ..... و ......... اخوووووووووووو .

وأفقتُ على صوتها العميق ..

وانتفضتُ كالملسوع وأنا أنظر حولي وأردد كأنما أهذي : مين ؟ فين ؟ ليه ؟

وضحكتْ زوجتي .. وقالت :

-  مالك .. انت تعبان ؟

- الله ..! هو أنا كنت نايم .

- أيوة .. والظاهر كنت بتحلم .

- عرفت منين ؟

- كنت بتخرف وتقول كلام غريب كده مش فهماه .

- كلام غريب ! ... كلام إيه ؟!

- بتقول : مياه إقليمية , وسيادة إيطالية .. وكلام تاني كده مش مفهوم .

ضحكتُ ...

وضحكت ..

وقلت : أنا فعلا كنت بحلم .. الحمد لله إني كنت بحلم .. بس مش حلم عادي

ده كان كابوس ..

كابوس فظيع ..!!


الإبتساماتإخفاء