الغش


الغش

بقلم: محمد سعيد أبوالنصر

جاءَ الإسلامُ لتزكيةِ النفوس، وتطهيرها من الغشِ والخيانةِ والحقدِ والحسدِ وإرادةِ الشرِ والتدليسِ والتزييفِ والتزويرِ والخداعِ ، ومن مقاصدِ الشرع الشريف "إِخْرَاجُ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ، حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ اخْتِيَارًا، كَمَا هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ اضْطِرَارًا"، ومقتضى هذا المقصد التِزام الشرع المطهَّر في المعتقد، والعبادة، والمعاملة، والخُلُق، والأدب، والابتعاد عن الهوي {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)}  [ سورة الجاثية الآية: ٢٣  ] وكما هو معلوم، تقوم  الشريعة الإسلامية على جلْب المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها، والعمل بما يرضي الله تعالى  وترك كل ما يسخطه سبحانه، وانطلاقًا مِن هذا فإنَّ الإسلام حرَّم الغشَ، وحذر من ضرره وشره على الفرد والمجتمع  فالغش: خلق ذميم ، وجريمةٌ منكرةٌ ،وخيانة، ودناءة نفس، وضعفُ إيمان، وحرمان بركة، وطريقٌ إلى النَّار، الغشُّ :سبيل المنافقين، ومنهج الموْتورين، لا يرتضيه مسلم، ولا يسلكه أَمين يخاف الله ويراقبه. الغش خيانة للأمة، وضياع للأمانة، وقلب للحقائق، ومكرٌ وكذبٌ وظلمٌ واحتيال وخديعة... الغش: كسب الحرام من وراء شهادة مزيفة، أو بضاعة مغشوشة... الغش : فعل شنيع، وصف قبيح،  يدل على ضعف الإيمان، وانعدام الخوف والحياء من الله، وطغيان الأنانية وحب الذات.. وهو سبب من أسباب الفرقة والتخلف وأكل أموال الناس بالباطل، وضعف الثقة بين أفراد المجتمع .الغش :جريمةٌ منكرةٌ، وخلقٌ سافل، وكبيرةٌ من كبائر الذنوب، استصغرتْها النفوس المريضة والأهواء المُضلَّة، فرأتها بطولة وحذقًا، وكرمًا وإحسانًا،وهي في الحقيقة معصية وبعدًا عن الخلق  والخالق  الغش داء خطير، وشر مستطير، ومُدمّرُ الشعوب والأمم، والمجتمعات والدول، إذا انتشر في أمة أعاقها عن التقدم والتحضر والعيش في رخاء وازدهار، وحل بها الدمار والهلاك والخسران. إنَّ الناظر من حولنا قد يجد أنَّ أحوال شرائحَ بعض المجتمع  قد تغيَّرت لدرجة أنْ أصبح الغشُّ لهم  خُلُقًا ودَيدنًا، لا يستغنون عنه في تعاملاتهم وتسيير أمور حياتهم ومعيشتهم، وتجارتهم ،فكثير من السلع والبضائع لا تسلم مِن تلاعب الغشاشين  وتدليسهم ،نرى ذلك في الأدوية والمستحضرات الطبية ، والفواكه والخضار واللحوم ،بل وفي المدارس والمعاهد والجامعات  وهذا يدل على أنَّ صاحبه قد باع آخرتَه بدنياه ولن يجنيَ في آخرته سوى الخُسران والضياع يوم لا ينفعُ الندم. إنَّ الغش طبيعة الأمم المنحطة... وربما وقر في الأذهان أنَّ الغش لا يعدو خداع المشترين بإيقاعهم في سلعة خفية العيوب لقاء ثمن كامل. وهذا غلط، فإنَّ الغش يتجاوز هذا النطاق إلى كل عمل خلا من الكمال، وكان يجب أنْ يُؤدى على خير وجه ما دام صاحبه قد أخذ ثمنه كاملًا. والحق أنَّ الذين يعيشون على هذا النحو إنَّما يأكلون أموال الناس بالباطل ويسيئون إلى الأمة ورسالتها أبلغ إساءة. وهم مهما خدعوا أنفسهم وزينوا و برروا لذواتهم آكلوا سحت وأعداء أمة. والإسلام لا يقبل من المكاسب إلَّا ما كان طيبًا بعيدًا عن الشبهات. ولا يقر من المعاملات إلَّا ما كان واضحًا بعيدًا عن التغرير والتدليس. وبعض الناس يوسوس له الشيطان أنْ يكتسب من المال عن أي طريق تيسر له. ولا يبالى في معاملته للآخرين أنْ يخدعهم أو يغشهم. وقد يظن ذلك مهارة وذكاء. وهو في الحقيقة مكر سيء وتفكير خبيث إنَّ حديثَ الإسلام عن "الغش" حديثٌ واضح  لم يكتنفْهُ الغموض، والقرآن قد تحدث عن التطفيف والنقص في المكيال وتخسير الميزان، فتوعد المُطَففين بالويْل الشديد في قوله تعالى { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) } [سورة المطففين، الآيات: ١ – ٦] وبين أنَّ الكون كله قائم على العدل والقسط وعدم الطغيان قال تعالى {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)} [الرحمن: 7 - 9]  [ سورة الرحمن ، الآيتان : ٧ – ٩ ] إنَّ القرآن بين أن التطفيف وتخسير الميزان من أخطر أنواع الغش الذي يدل على الضعْف وعدم الإخلاص ،  والغش لا يقتصر على المعاملات التجارية فحسب يل يمتد ليشمل جميع المعاملات والعلاقات التي يكون الإنسان طرفًا فيها باعتبار أنَّ الانسانَ هو الفاعل للغش ،فالغش يدخل في العبادات الدينية اعتقادية كانت أو عملية ،كذلك نجد أنَّ الغش يدخل في علاقة الحاكم والمحكوم أو الراعي والرعية ففي الحديث الذي رواه مسلم  أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال « مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ».ومن المجالات التي  يدخلها الغش، مجال العلاقات الزوجية وشئون الأسرة  التي الأساس في استمرارها واستقرارها النصيحة  والصدق والإخلاص ،ولذا فإنَّ مِن بنود المعاهدة التي أخذها النبي على النساء، أنْ لا يغششن أزواجهن ضمانًا لاستقرار الحياة الزوجية ، فعَنْ سَلْمَى بِنْتِ قَيْسٍ   ـ وَكَانَتْ إِحْدَى خَالَاتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّتْ مَعَهُ الْقِبْلَتَيْنِ، وَكَانَتْ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ ـ قَالَتْ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْتُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا شَرَطَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ قَالَتْ  : قَالَ: " وَلَا تَغْشُشْنَ أَزْوَاجَكُنَّ "، قَالَتْ: فَبَايَعْنَاهُ ثُمَّ انْصَرَفْنَا، فَقُلْتُ لِامْرَأَةٍ مِنْهُنَّ: ارْجِعِي فَاسْأَلِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِشُّ أَزْوَاجِنَا؟ قَالَتْ: فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: " تَأْخُذُ مَالَهُ فَتُحَابِي بِهِ غَيْرَهُ»" والمحاباة : التفضيل والتقريب،  وفي رواية مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِنْ أَمْوَالِ أَزْوَاجِنَا؟ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «تَأْخُذُ مَالَهُ فَتُجَاوِزُ بِهِ غَيْرَهُ»   كذلك يدخل  الغش في معاملات الأفراد مع بعضهم أيًا كانت هذه المعاملة سواءأكانت هذه  المعاملة مدنية ، أم تجارية ، وإنَّما اشتهر اسم الغش في مجال المعاملات التجارية  لأنه  الميدان الذي يتجلى فيه الغش بوضوح ويكثر وقوعه فيه نتيجة الحرص علي جمع المال وزيادة الثروة والغش في المعاملات التجارية سواء أكانت هذه المعاملات داخل الدولة نفسها أم خارجها قديم قدم التجارة ، فمنذ أن وجد التعامل بالبيع والشراء وجد الغش معه .وقد ذكرت بعض المراجع أن أول حالات الغش التجاري يرجع  إلي سنة  360 ق م  كل هذه الأمور بالإضافة إلى الحرص على جمع المال وزيادة الثروة وازدياد الدخل . وتنامي الجشع في النفوس  وضعف الوازع الديني والأخلاقي كلها أسباب ساعدت علي انتشار الغش التجاري وتنوع أساليبه في هذا العصر .إنَّ الغش رذيلة خطيرة النتائج بعيدة الآثار. والغاش قد يستهين بعمل تافه يرتكبه لأنَّ شهوة الربح الحرام قد غطت فكره. ولكنَّه لا يدرى كم سيجلب على الآخرين مِن شقاء بسوء تصرفه. فالمقاول الذى يغش في مواد البناء أو مقاديرها يكسب مقدارًا من المال قل أو كثر، ثم بعد أنْ يسكن الناس في المبنى يتعرضون للأخطار التي تعكر صفوهم أو تنهي آجالهم. والمصانع التي تشوب الطعام أو الدواء بما ليس منه وتعرضه في الأسواق على أنَّه سلعة كاملة الخصائص نقية الأوصاف، تُعرض الصحة العامة لبلاء بعيد المدى، وتصيب الجمهور المسترسل الخالي الذهن بمتاعب شتى. وأشنع من ذلك أنْ تُصَدر البلاد إلى الخارج بضائع معينة معروفة الميراث محترمة السمعة، ثم يُفاجأ المشترون بعيوب تظهر فيها تبخس قيمتها وتحط مكانتها. ولا ريب أنَّ البلاد لا تحصد من وراء الغش إلَّا محو الثقة بمادياتها ومعنوياتها جميعًا، وانتشار قالة السوء عنها في كل مجال، وتعرض المحسن والمسيء والأمين والخائن، والجاد والمقصر للاتهام المدمر، وينشأ عن هذا أنْ تكسد سوقنا، -"سواء كان التعامل داخل الدولة أو خارجها "- وتزجى بضائعنا، وينصرف الناس وهم معذورون عن شرائها. وأنكى من ذلك أنَّ ديننا نفسه سيصيبه رشاش مِن هذا الغش البين فيصد الناس عنه. وقد يسخرون منه. وهذا هو السر في قوله عليه الصلاة والسلام: " مَنْ غشنا فليس منا " إنَّ الغشُّ آفةٌ يَطُول ضررُها الجميع، فالغشَّاش شخص همُّه تحصيل المال على حِساب غيره، فالطمع حَجَبَ عقله، فلا ينظر إلَّا للمَكاسِب التي حَصَل عليها والتي يسعى للحصول عليها، ولا يَلتَفِت إلى ضحاياه الذين أرداهم غشُّه، لا يلتَفِت إلى جنايته على المجتمع، وكيف أصبح أداةَ إفسادٍ فيه. وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرقب الأسواق التجارية. ويتتبع مسالك التجار وأحوالهم، ويوصى بالصراحة في المعاملة، ويحارب الغش والتغرير والمخادعة، ويؤسس قواعد الاقتصاد الإسلامي على الأخلاق الشريفة والإيمان الراسخ بالله واليوم الآخر، فالغش آفة خطيرة تصيب العلاقات الإنسانية جميعها   وتهدد  سلامتها وتجعل المجتمع في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، وتفقد  هذه الافة المشينة الثقة بين  أفراد  المجتمع الواحد . إذ أن الغش وكل ما ينطوي تحته من التصرفات كالتدليس والمكر الخداع سبيل إلي أكل أموال الناس بالباطل  المنهى عنه بنص القرآن قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)} [ سورة النساء، الآية : ٢٩] وبالغش ترتفع عن المعاملات الأمانة والصدق ،ويحل محلها الخيانة والكذب ،ولذا أجمعت الشرائع السماوية والأنظمة والقوانين الوضعية على تحريم الغش وتجريمه ومعاقبة فاعله واعتبرته خيانة عظيمة  وخروجًا  على روح  الإسلام .

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء