بروميثيوس يكتب: هرطقة (٤)



هرطقة (٤)
بقلم: بروميثيوس

في آخر هرطقة، وضعت أسئلة للمتدين ألا وهي: "عزيزي المتدين، تحية طيبة وبعد، أتخشى التطرف والقتل والإرهاب؟ ماذا لو كنت أنت مجرد قنبلة موقوتة في يد رجل دين متعصب؟ هل ستعلم وقتها أكان يأمرك بما أمر به دينك أم يأمرك بما يتسق مع أهوائه ومشاربه وعنصريته؟"، إن كنت قد أجبت الأسئلة، فهذا لك، وإن لم تجب، فدعنا نطرح أحداثا نمر بها هذه الأيام، تشبه أحداثا قديمة مررنا بها كثيرا، ومن كثرة تكرارها أصبحنا متبلدي الحس! لا تستغرب، فلقد أصبحنا معدومي المشاعر في التفاعل مع الأحداث المكررة في حياتنا، حتى وإن اتسمت بالعنف، وهذا ليس محور كلامنا، ولنعد مرة أخرى لموضوعنا...

منذ أيام قليلة بدأ شهر رمضان، وهو شهر الإيمان والتقوى والتسامح، في الشعائر والفروض الإسلامية، ولكن.. أصبح الشهر هو التدخل في شئون الآخرين، والحجة المنتشرة هي جرح شعور الصائم!

عزيزي الصائم، دعني أطرح عليك بعض الأسئلة التي أتمنى أن تتشرف بالإجابة عنها حتى ولو بداخلك: هل تقوم بهذه العبادة من أجل إرضاء الناس أم تقربا لإلهك؟ وإن كان إلهك قد أمرك بالصيام -أي الامتناع عن الطعام والشراب وفحش القول والنظرات- فلماذا تريد إجبار غيرك على ما تفعله إيمانا منك وتقربا لإلهك؟ يقول الله في كتابه: "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم"، حسنا، هذا الفرض كان مكتوبا على بشر غيرك ولم يكتب عليك بمفردك، أنت تصوم بطريقتك التي فرضها عليك دينك، فلماذا تريد فرضها على غيرك بحجة جرح مشاعرك؟! هل تقبل غيرك من الذين قبلك أن يفرض عليك صيامه بطريقته لمجرد عدم جرح مشاعره؟! إلهك نفسه استثنى من الصيام المريض ومن على سفر والذي لا يستطيع الصيام، وفي رواية قدسية قال: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به"، إن كان الله قد خص لنفسه الحكم والحساب بين بني البشر، فلمَ خصصته لنفسك أنت أيضا لمحاسبة غيرك على صيامه من عدمه؟ هل تم تعيينك إلها في الأرض لتحكم بين الناس؟ إن كنت تتبع كتابك كما يجب ويفرض عليك، فلماذا لا تلتزم تعاليم إن كنت بالفعل تعلمها ولا يوجد من يوجهك لهذا؟! حسنا، الكلام ليس على هواك، دعنا نتطرق لنقطة أخرى، هل تمثل أنت ظل إلهك على الأرض؟ إن كانت إجابتك بنعم، فدعني أذكرك بقول الله في كتابه حين وجه رسالته لنبيه قائلا: "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر، فيعذبه الله العذاب الأكبر، إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم"، إن كنت قد قرأت هذه الآيات، فستعلم أن الله منع عن الرسول محاكمة البشر والتحكم والسيطرة عليهم، فما بالك تريد السيطرة عليهم بحجة دينك؟! دعني أطرح لك تساؤلا أخر وأعرض عليك الأمر من منظور يخالف منظورك: عزيزي الصائم المتدين بطبعك، إن كنت تريد محاسبة البشر بدافع من السيادة الدينية لا أكثر، بحكم أنك تمثل الأكثرية في البلد، تريد محاسبة غيرك الذي لا يسير على منهجك، فقد نصبت نفسك إلها لتحكم من يستحق ويتقبل منه العبادة ومن تُرفض منه، وبالتدريج ستصل للحكم على من يستحق دخول الجنة ومن يستحق السباحة في عذاب الآخرة! إن كنت متدينا بالفعل وتقوم بعبادتك من أجل إرضاء ربك، فلماذا تصاب عبادتك وصبرك بالضعف حين ترى غيرك يأكل أو يشرب، سواء كان من ديانتك أو من ديانة أخرى؟ هل إيمانك بهذا الضعف لتتوقف عن عبادتك بسبب رؤيتك لفتاة أو لرجل مفطر؟! حسنا، لا تجب، ودعني أسألك سؤالا آخر: هل أنت مؤمن عن بحث وتنقيب في كافة الديانات حتى تختار هذا الدين، أم الصدفة –القدر والمشيئة الإلهية  حتى لا تصاب بالضيق– كانت سببا في ولادتك في هذا البلد وعلى هذا الدين؟ هل كنت مولودا لعائلة هندوسية مثلا ثم أصبحت مسلما عن بحث، أم وجدت نفسك في عائلة مسلمة وتحمل اسم عبد الله وفي خانة الديانة كُتبت مسلما؟ إن كانت إجابتك أن الله أنعم عليك بنعمة ميلادك كمسلم، فلماذا تحاول فرض ما وجدت عليه نفسك على غيرك؟ اترك كل هذا خلف ظهرك وأخبرني، لماذا لا تصاب بجرح المشاعر في الحالات والأيام التالية: صيام الإثنين والخميس؟ صيام رجب وشعبان؟ الأيام الست التي تلي رمضان؟ العشر الأوائل من ذي الحجة؟ أم لكونهم صياما تطوعيا فمشاعرك لا تقف عندهم؟ وإن كانت رؤية الطعام والشراب في أيادي غيرك تصيبك بالعصبية والضعف، فما حال الذين يقومون بتحضير الطعام؟

عزيزي الصائم المتدين بطبعك، صيامك هو تنفيذ لعبادة فرضها عليك إلهك، فلا داعي لأن تجبر غيرك على فعلها، صيامك هو تقرب منك لله، وعليك أن تصبر على أي عارض خلال الصيام، وأن تجاهد نفسك، وإلا لما كان صياما، الصيام هو الامتناع عن الطعام والشراب وفحش القول والنظر، فإذا مرت فتاة عارية أمامك فعليك بغض البصر أيها المتدين، أم أنك لم تر تلك الآيات التي تحض على غض البصر يا عزيزي؟! دعك من لعب دور الإله على الأرض، ولا تشغل نفسك بغيرك في تعبده من عدمه، وقم بالتركيز على نفسك، لا تحكم على غيرك، وتفضل بالحكم على نفسك.

و...

إلى لقاء في  هرطقة أخرى...

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء