شريف نصر - العتر الذي كان


بقلم: شريف نصر

نصحني المدير بالعودة إلى البيت، والتزام السرير وخافض الحرارة حتى تنتهي هلاوس الحمى!

لم أكن محمومًا، لكنه كان مصرًا، وأيده طبيب الشركة.

أعلم أن هذا الطبيب يكرهني، وأنا أيضًا أُبادله الشعور.. لسببٍ عجزت عن معرفته.

كان اليوم الثالث عشر لانقطاع يُمنى عن العمل، والأول لاستلام نجلاء، الفتاة القصيرة ممتلئة القوام وذات العينان اللتان تقطران بَلَهًا!

كانت الأجواء مشجعة على الامتثال لأوامر المدير فقد أصبحت  الشركة أصبحت مقفرة بعد ذهاب الأحباب.

منزلي الذي كان يبعد عن الشركة بمقدار ثلاثين دقيقة بالعربة، قررت الذهاب إليه سيرًا على الأقدام..كان الشارع خاليًا، إلا من الكثير من أوراق العِلكة، وقشر اللب، والمناديل المُكوّمة والملقاة بإهمال.

أما قشر اللب فكان ملقى بعناية، وكأنما قد قام بتنظيمه عم عبده بواب العمارة، عم عبده هذا رغم كونه حارسًا للعمارة، لكنه لو نال حظًا من التعليم ما كان إلا ليصبح مهندسًا للديكور!

ظللت أتتبع أثناء سيري مجموعات قشور اللب، سأحاول أن أصفها كما أحاول أن أتفادى بعثرتها.

في مشهدٍ أول:

أربعة أوراق للعِلكة مقطعة وملقاة تتشكل حول كل منها حلقة من قشور اللب الأسمر، لا أعلم من سماه أسمرًا وهو قمحي اللون

لا أعلم كيف ذكرني هذا المشهد بطفولتي، أذكر يومًا كنت في منزل جدي بعد العصر وجلست أتابع أسراب النمل تطوف حول أوراق العتر التي ربما سقطت سهوًا عندما كانت أمي تنقل أواني الزهر الفخارية،أو قد تكون الأوراق سقطت لأنها رزق النمل،هكذا يكون الرزق وإلا فلا، نملٌ يحلم أقصى ما يحلم به أن يأكل قطعة من فتات الخبز، أو بعض حبات السكر.. ولكن أتتهم أوراق رائحتها تكفي وتغني عن أكلها،ربما قرر النمل أن يطوف العتر فرحًا، أو ربما هم أتفه من ذلك وهذه طقوس تناول هذه الوجبة ذات الرائحة المحببة.

أمسكت ورقة، وأخذت أشمها.. طازجة ربما قد سقطت صباحًا،رائحتها تشبه ماء الورد الذي يضعه أبي على الماء البارد حين تكون أمي غاضبة منه أو من أمر آخر ليطيب خاطرها، أو خاطره حين يريد أن يصفو مزاجه، وأحياناً بلا هدف محدد.

ينادي جدي علي:"هريدي".

أركض بخطوات صغيرة تكاد تتعثر وأذهب ليصحبني في جلسته اليومية، على المصطبة.

جدتي هي من أسمتني هريدي، أذكر أني كنت ألبس وقتئذ جلبابا صعيديًا وطاقية قد أهدتها خالتي لأمي ذات الأصل الصعيدي في يوم ميلادي، حتى بعد وفاتها ما زال كل المقربين يدعونني هريدي.

جلست بجوار جدي على مصطبة الحاج علي المواجهة لمصطبتنا حيث كان جدي يتشمس يوميًا لتقوى عظامه،هذا الطقس حافظ على جدي من الشيخوخة،وحافظ جدي عليه طيلة أربعين عامًا.

كان عم علي فنيًا في مصلحة الكهرباء،سيصبح بعد قرابة العشر أعوام كبير المنطقة الذي لا يكل ولا يمل من مشاجرة من تسول له نفسه الاقتراب من مصطبته أو جراجه أو حتى الوقوف بجانب سيارته، لكن في وجود جدي كان الكل يهابه وخصوصا علي، لم يكن يجرؤ على النظر إليه أو إبداء الاعتراض، جدي الذي في هذا السن كان يتناول مشروبًا يوميا من العسل والبطاطا المهروسة والسمن البلدي، قد يكون هذا ما قوى صحته، أو ما أودى بحياته بعد أن تزوج وهو يقارب الثمانين من الفتاة العذراء ذات العشرين ربيعًا، أو قد تكون هي من أودت بحياته.

توفي جدي فجأة ونحن خارج البلاد وكانت المرة الثانية التي أرى أبي يبكي فيها، الأولى كانت عندما بكيت لرغبتي في لعبة للعيد، وأبي الذي أوشك على السفر قبل العيد بيوم لم يملك إلا ثمن التذكرة، وما يكفيه ليصل إلى عمله خارج البلاد، بكى بشدة بعيدًا عني لبكائي، ورغم يقيني الآن بأنني لم يكن لي ذنب إلا أني لم أسامح نفسي قط على هذا.

توفي أبي أيضًا وكفت أمي عن زراعة العتر،وهجر النمل بيتنا قبل أن نبيعه لسداد ديوننا.

وطأت بقدمي -دون قصد-تلك اللوحة المرسومة بعناية، فأكملت بعثرتها بقدمي الأخرى ومسحت دموعي، ومضيت.


الإبتساماتإخفاء