لماذا يصوم الجياع ؟ الرد على افتراءات الطاعنين في الصيام



لماذا يصوم الجياع ؟ الرد على افتراءات الطاعنين في الصيام " مصطفى راشد نموذجًا "(1)

بقلم / محمد سعيد أبوالنصر

ما بين الحين وَالْآخَر والأخر يطالعنا  بعض العلمانين  بشبهة جديده وقول جديد لهدم ثوابت الدين ومحاوله تقويض أركانه..   ومن الشبه التي تعرض في هذه الأيام شبهة   لماذا فرض الله الصوم  على الفقراء ؟ هل أراد أن يعذبهم ؟ لماذا فرضه عليهم بالرغم أنهم يتضورون جوعاً وعرياً، وبطالة ووحشة، وألماً وبأساً طوال العام  ؟  ومن الممكن أن نرد على السؤال بسؤال وهل فرض الله الصيام على الأغنياء  من أجل أن يعذبهم ؟ لكنى لا انحو هذا المنحى  فهذا المنحى يُؤدى بنا إلى طريق مسدود من الجدال الفارغ ويخرجنا عن أصل موضوعنا  فالموضوع له جذور في صلب العقيدة والشريعة ومن خلاله يكون حديثنا

لكن علينا أن ننقل أولا ماذا قال أصحاب هذا القول الفارغ ......

2- يقول مصطفى راشد الذي يصف نفسه برئيس الاتحاد العالمي لعلماء الإسلام من أجل السلام "بأن الله قد فرض الصيام على الأغنياء فقط أما بالنسبة للفقراء فهو “تطوع”. وقال إنه أجرى حسابات بالنسبة للمواطن المصري ووصل إلى نتيجة مفادها أن الصيام ليس فرضاً على كل مصري يقلُّ راتبه عن 500 دولار شهرياً أي حوالي 9000 آلاف جنيه"

2- ويقول عادل أحمد كما جاء في الحوار المتمدن "حل شهر رمضان ومصائبه ..مرة أخرى على رؤوس الفقراء والمحرومين في العراق والمنطقة. ويعتبر هذا الشهر من أتعس الأشهر في جميع الدول التي تفرض القوانين الاسلامية بالقوة والعنف، لأنها تجبر الناس على أن تخضع لقوانين ومراسيم الصيام الإسلامي وتقمع كل الطموحات والحريات الفردية والاجتماعية."

هذا طرف مما قاله هؤلاء في محاولة تشويه فريضة الصوم وعلينا قبل أن نرد عليهم بشيء من التفصيل أن  نذكر معنى الصيام  وحكمه وحكمته  ثم  نفند شبهتم ونرد عليها .

أولاً: تعريف الصيام

1 – الصيام في اللغة :

"الإمساك عن الشيء، والترك له، وقيل للصائم: صائم؛ لإمساكه عن المطعم والمشرب، والمنكح، وقيل للصامت: صائم لإمساكه عن الكلام، وقيل للفرس: صائم؛ لإمساكه عن العلف مع قيامه ... قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير فهو صائم". قال الله تعالى إخباراً عن مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}سورة مريم، الآية:26]  أي: صمتاً وإمساكا عن الكلام.

وقال الشاعر النابغة الذبياني:

خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا

يعني بالخيل الصائمة: القائمة بلا اعتلاف، وقيل: الممسكة عن الصهيل

2 – تعريف  الصوم شرعاً:

 قيل: "هو عبارة عن إمساك مخصوص: وهو الإمساك عن الأكل، والشرب، والجماع من الصبح إلى المغرب مع النية" ويتبع ذلك الإمساك عن: الرفث، والجهل، وغيرهما من الكلام المحرم، والمكروه؛ فإن الإمساك عن هذه الأشياء في زمن الصوم أوكد منه في غير زمن الصوم ... " فالصوم الشرعي: إمساك وامتناع إرادي عن الطعام والشراب، ومباشرة النساء وما في حكمها، خلال يوم كامل: أي من وقت أن يؤذن المؤذن لأذان الفجر إلى أن يؤذن المؤذن لصلاة المغرب  عند غروب الشمس، بنية الامتثال والتقرب إلى الله تبارك وتعالى. والدليل على أن الصيام الشرعي هو الإمساك عن الشهوتين  قوله تعالى في بيان أحكام الصيام في سورة البقرة: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)} [البقرة: 187] فقد بينت هذه الآية الكريمة حقيقة الصيام المأمور به في الآيات قبلها، وبينت مدته كذلك فقد أباحت الآية المباشرة بين الرجال والنساء، أي الأزواج والزوجات، معللة ذلك بقوله: { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}، كما أباحت الأكل والشرب كذلك طوال الليل، حتى يتبين الفجر، ثم أمرت بإتمام الصيام من الفجر إلى الليل، ويدخل بغروب الشمس

يؤكد ذلك من الحديث الصحيح: قوله صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه عز وجل -: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشهوته من أجلي". وفي بعض روايات الحديث: "يدع طعامه من أجلي، ويدع شرابه من أجلي، ويدع شهوته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي" ويبدو أن هذا المعنى للصوم كان معروفًا لدى العرب قبل الإسلام، فقد صح أنهم كانوا يصومون عاشوراء في الجاهلية، تعظيما له، ولهذا لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء، ثم أمرهم بصيام رمضان كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [البقرة: 183] فهموا المعنى المقصود، وبادروا إلى تنفيذه. ولما سأل الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فذكر له الصلوات الخمس وصوم رمضان، لم يسأله عن معنى الصوم، لأنه كان معلوما لديه، ولكن سأله: هل عليَّ غيره؟..

حكم صيام شهر رمضان

فرض الله عز وجل صيام شهر رمضان، وجعله أحد أركان الإسلام الخمسة؛ وصيام شهر رمضان: واجب بالكتاب، والسنة، والإجماع، على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، قادر، مقيم، خالٍ من الموانع لا فرق في ذلك بين غنى أو فقير فصوم رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام  دل على ذلك الكتاب والسنة والاجماع .

 أما الكتاب؛ فلقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} سورة البقرة، آية: 183.

 وقول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}  سورة البقرة آية: 185.

وأما السنة؛ فلحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت ولحديث طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه -: أن أعرابياً جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس نسمع دويَّ صوتِهِ ، ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خمس صلوات في اليوم والليلة  فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوَّع شيئاً  فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام؟ فقالشهر رمضان فقال: هل عليَّ غيره؟ قال لا، إلا أن تطوَّع شيئاً  فقال: أخبرني ما فرض الله عليَّ من الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلاّ أن تطوَّع قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص "مما فرض الله عليَّ شيئاً" قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق"

ولحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: بينما نحن جلوس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال: أيُّكم محمد؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - متكئ بين ظهرانيهم ، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئُ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قد أجبتك " فقال الرجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنّي سائلك فمشدِّدٌ عليك في المسألة فلا تَجِدْ عليَّ في نفسك ، فقال: "سل عمَّا بدا لك " فقال: أسألك بربِّك وربِّ مَن قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلِّهم؟ قال: "اللهم نعم" قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: "اللهم نعم" قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: "اللهم نعم" قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم نعم" فقال الرجل: آمنت بما جئتَ به، وأنا رسولُ مَنْ ورائي مِنْ قومي، وأنا ضِمامُ بن ثعلبة أخو بني سعدٍ بن بكر"

وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب صيام شهر  رمضان وأنه أحد أركان الإسلام التي عُلمت من الدين بالضرورة، وأجمعوا على أن من أنكر وجوبه كفر، إلا أن يكون جاهلاً حديثَ عهدٍ بإسلام؛ فإنه يعلّم حينئذ، فإن أصرّ على الإنكار فهو كافر، يُقتل مرتداً؛ لأنه جحد أمراً ثابتاً بنص القرآن والسنة، معلوماً من الدين بالضرورة.

لماذا فرض الله علينا الصيام أغنياء وفقراء ؟

 الرد على مصطفى راشد :

ما جاء في كلام "مصطفى راشد " يخالف النصوص القرآنية الصحيحة،  ومن ذلك قوله تعالى { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وكلامه  وما صدَّره  للناس ورغب وأحب أن يفتنهم عن دينهم  لا دليل على صحته  لا من قرآن ولا من سنة ،والقرآن  أكد على فرضية  الصيام دون أن يقصره على غني  أو فقير ،إنما فرضه على كل الناس  بلا تفرقه ، وكلف الناس به لأنه هو المشرع  والحاكم ، وللمشرع أن يشرع كما يشاء ،وليس من حق المكلف أن يرد الأمر على الأمر .أضف إلى ذلك الحِكَم والمقاصد التي  من أجلها شُرع الصوم وفُرض ، كما أن كلام  "مصطفى راشد" ينقص الإسلام ركنًا من أركانه، وأركان الإسلام خمسة  وهي :   شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت ، فالركن الرابع  من أركان الإسلام  هو صوم رمضان وهو فرض على الغني والفقير مادام صحيح البدن مقيما قادرا على صيام الشهر الكريم  وهذا أمر مجمع عليه من السلف والخلف  لا خلاف في ذلك ولم نسمع بمثل قول "مصطفى راشد"  عبر تاريخ المسلمين  ولكن  هواه  قاده  لذلك محاولًا نزع الناس  عن  فريضة الصيام التي فرضها الله عليهم 

ولكي يتضح خطأ قوله  يتوجب علينا ذكر حِكَم الصيام ومقاصده

حِكَم الصيام ومقاصده

من أسماء الله تعالى: الحكيم، والحكيم هو الذي يتصف بالحكمة، والحكمة إتقان الأمور ووضعها في موضعها، ومقتضى هذا الاسم من أسمائه تعالى أن كلَّ ما خلقه أو شرعه فهو لحكمةٍ بالغة، علِمَها مَن علمها وجهلها من جهلها فالله سبحانه وتعالى لم يفرض علينا الصيام، ويمنعنا عن الطعام والشراب - اللذَين أحلهما لنا - ليعذبنا أو يعنتنا، فحاشا لله  أن يفعل ذلك، ولكنَّ للصيام الذي شرعه الله وفرَضه على عباده حِكَمًا عظيمة وفوائد جمة." فالله  حكيم في خلقه، حكيم في أمره، لا يخلق شيئًا باطلاً، ولا يشرع شيئًا عبثًا وهذا ينطبق على العبادات وعلى المعاملات جميعًا، كما ينطبق على الواجبات والمحرمات أيضًا،  إن الله تعالى غني عن العالمين، وعباده جميعًا هم الفقراء إليه، فهو سبحانه لا تنفعه طاعة، كما لا تضره معصية، فالحكمة في الطاعة عائدة إلى مصلحة المكلفين أنفسهم." وأولى هذه الحِكَم وأجلُّها أن الله إنما شرع الصيام وفرضه لتحقيق التقوى، والتدرب على الطاعات، فرمضان من مواسم الخيرات التي امتنَّ الله تعالى بها على عباده؛ ليقوى إيمانهم، وتزداد فيه تقواهم، وتتعمق صلتهم بربهم، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]. ففي رمضان من العبادات والأعمال الصالحة ما يجعل النفوس تنقاد إلى رب العالمين، فتزكو النفوس، وتطهر القلوب، وتعيش الأرواح أجواء إيمانية مفعمة بالبركات والرحمات.." وفي الصيام حِكَم ومصالح "متعددة ومتنوعة، فله فوائد ظاهرة وباطنة وفوائد فردية واجتماعية، وفوائد الصوم مشهودة بالعقول السليمة، والفطرة المستقيمة"   أشارت إليها نصوص الشرع ، ومن أهم الحِكَم والفوائد والمنافع  التي شُرِع من أجلها صيام شهر رمضان الحكم والفوائد التالية :

1-الصيام  يظهر صدق الايمان والعبودية للرحمن  والاستجابة لأوامره .

الصوم عبادة لله تعالى يظهر بها من كان عابداً لمولاه، ومن كان متبعاً لهواه، فيظهر بذلك صدق إيمان العبد ومراقبته لله؛ ولهذا كان كثير من المؤمنين لو ضرب، أو حبس على أن يفطر يوماً بغير عذر لم يفطر، وهذه الحكمة من أبلغ حكم الصيام." إن الاستجابة لأمر الله هي صفة المؤمنين ، و سمة الصادقين ، يدورون مع الوحي حيث  دار ، ممتثلين للأوامر ، مجتنبين للنواهي ، و قد أمر الله جل وعلا بذلك في كتابه فقال : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)} [الأنفال: 24]   ، وقد ذكر القرآن هذه الصفة في آيات الصيام ، و ذلك إشارة إلى أنها مقصودة للشارع ، مرتبة على عبادة الصيام ، ولاشك أن الصيام والاعتكاف فيهما تربية للنفس على الاستجابة لأمر الله تعالى ، وذلك لما يلحق العبد من المشقة في أداء هذه العبادات ، و لما اشتملا عليه من الأحكام والتشريعات التي يمتثلها العبد ، وأسوق من الآيات ما يشير إلى هذه  الحكمة الجليلة :

أولاً :  الأمر الرباني بالاستجابة لله تعالى ،  و ذلك إشارة إلى هذه الحكمة ، وذلك     عقب بيان جملة من أحكام الصيام يقول الله تعالى : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) } [البقرة: 186]،  فقوله : " فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي" أي : فليستجيبوا لي بالطاعة، يقال منه :  استجبت له ، و استجبته، بمعنى  : أجبته "،  و لذا رتب جل وعلا إجابة الدعاء على الاستجابة لأمر الله ،  أي : استجيبوا لي إذا دعوتكم للإيمان والطاعة ، كما أجيبكم في الملمات والمهمات" ،  و تتحقق الاستجابة لأمر الله تعالى بامتثال ما أمر به ، و اجتناب ما نهى عنه ، و في الأمر بالاستجابة في هذه الآيات دليلٌ على أنها مقصودة شرعاً في هذه العبادة و غيرها .

ثانياً : ما ورد في آيات الصيام من أوامر و نواهي ، و لا تتحقق إلا بلزوم الاستجابة     لأمر الله تعالى ، وقد تنوعت أساليب التشريع ؛ ليحصل من العبد الامتثال والاستجابة  لأمر الله ، ففي مطلع آيات الصيام يقول الله تعالى :{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [البقرة: 183] ، أي : فرضناه و  أوجبناه فالتزموا به واستجيبوا لأمر الله بأدائه حق الأداء" ، ثم كرر الأمر بالصيام على من أدركه رمضان و هو مقيم صحيح ، فقال :

{ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، و قال في ختام الآية : {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)} [البقرة: 185]  ، فأَمَر بإكمال عدة رمضان دون نقص.

وقال جل و علا : {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } [البقرة: 187]   فإباحة الأكل والشرب في ليالي الصوم ، نهيٌ عن فعل ذلك في النهار   و هو حقيقة الصيام ، واشتملت الآية كذلك على الأمر بإتمام الصيام إلى الليل." و هذه الآيات تنوعت فيها أساليب الأمر و النهي ، و الخطاب فيها موجهٌ لأهل الإيمان ؛ لأنهم أهل الاستجابة ، فمن خلال امتثال العبد لأوامر الله تعالى في هذه العبادة يتربى على تحقيق الاستجابة لله تعالى في جميع العبادات و القربات . 

ثالثاً :  من إشارات القرآن لهذه الحكمة قوله تعالى : {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)} [البقرة: 187]ومحل الشاهد قول الله تعالى : " تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ " فبعد بيان الأحكام الشرعية في عبادتي الصيام والاعتكاف ، جاءت هذه الآية مشيرة لحكمة الاستجابة لأمر الله تعالى ، فقال :   " تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ " ، و في الآية إشارةٌ لتعظيمها و إجلالها بالوقوف عندها ، والاستجابة   لأمر الله فيها ، وسميت حدود ؛ لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها ، و أن يخرج منها  ما هو منها ، ومن عصى الله ولم يستجب لأمره ، فهو ممن لم يلتزم بحدوده فذاك مستحق للعقوبة، و في هذه الآية الخاتمة لأحكام الصيام والاعتكاف أعظم إشارةٍ لحكمة   الاستجابة لأوامر الله تعالى . وللحديث بقية .


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء