محمد مهاود - نهار جديد



نهــار جديـد

بقلم : محمد مهاود


الاشراق ومواطن الجمال فى كل موطن وموضع ، ارى اليوم كل شئ بمنظور مختلف ، السماء متألقة على غير عادتها في مصرنا الحبيبة ، انقشع عنها غيوم السحب السوداء وادخنة المصانع الخانقة ، ارتدت فستاناً سماوياً لونه براق ، صافى ، فاتن ، تخترقها أشعة الشمس الذهبية فتنزلق على ردائها لتعطى بريق ماسي يخطف الأبصار ، اشعة تعكس الوضوح والرقة والدقة ، دافئة ذهبية ، لم أرى مثلها يوماً قط ، حتى نسيم الهواء تألق مثل السماء والشمس فأرتدى أفضل حلله الرشيقة فأصبح نسيم عليل يلامس الجسد بنعومة طاغية وكأنة رجل يقبل أنامل عشيقته بمنتهى الرقة ، يدغدغ مشاعر أصغر الخلايا فتشعر بالراحة والاسترخاء ، تستنشقه سلساً يسيراً يعرف طريقة الى بيته الرئوي ، الى داره ومكمنه متسللاً بين شهيق وزفير رشيقين تاركاً احلى اثراً لعسل مصفى لن يتغير طعمه .

يوم غريب ، يوم مختلف ، نهار جديد ، ارى كل شئ بمنظور مختلف ، منظور جميل ، أشعر بالجمال فى كل المحيط ، القصى والدانى ، الكبير والصغير ، الكائن والكون ، أسمع صوت السكون ، أرى جوهره المكنون ، خرير المياه ، صهيل الجواد ، رفرفه أجنحة الفراشات ، أرى طفلة بدفائرها الجميلة المنسدلة على كتفيها تمسك بيد أخيها الصغير يتراشقون ويتقافذون ذاهبون الى مدرستهم بمنتهى النشاط والمرح ، شاباً فتياً عريض المنكبين يصب لابيه الشيخ الكهل الماء صبا  ًتحت قدميه ليتوضأ ثم يجفف قدميه بمنتهى الطاعة والخضوع والسعادة والشعور بفضل تلك الأقدام على شبابه وفتوته ، فكم عانت وحملت من اثقال لكى تقيم صلب هذا الفَتِيّ ، والشيخ يبتسم فى رضاء عظيم بثمرة زرعه رافعاً كفيه للعظيم داعياً لولده بما أنشق عنه فاه من أجمل المأثورات ، رأيت أمراة تحمل لقيمات الخبز تحنو عليه حتى يصل الى بطون فراخها الصغار بمنتهى الحنان وهم يتواثبون حولها فرحين مرحين ، طفل يمسك بيد رجل ضرير بحرص ليعبر به الطريق بأمان وكل شئ فى أمان وكأن شئ ماكان ، لم يقتل الانسان أخاه ولم يخن الانسان الوعود ولم تقتل الرسل والأنبياء ، كل شئ جميل ، طفل صغير يصبو ويكبر بين أطفال كثر غير متشابهين فانه طفل جديد نقى لم يعبث به الزمان ولا الماضي ولا الحاضر ، نهار جديد يشرق بين أنهر كثر غير متشابهين  .

روحى تسمو للاعلى أرى كل شئ من فوق الأشياء ، الأزهار تتفتح بمرح ورشاقة ليست كسولة بطيئة كعادتها ، عبقها يملى الهواء ، فراشات مختلف الوانها تسر الناظرين تتطاير وتتمايل تنسجم مع ذرات الهواء وتمايل الازهار فى رقص كلاسيكى رائع ، لوحة أبدعها فنان ، بل أبدعها خالق الفنان والأفنان ، تشاركها الطيور تنتقل بأقدامها الرقيقة من زهرة حمراء الى أخرى وردية اللون الى ثالثة بيضاء تمتص رحيقها وتستنشق عبقها ، قطرات الندى تنزلق فى مجراها وتسقط الى منتهاها لتحدث عند اصطدامها بالارض نغم أسمعه واميزه بوضوح ، انغام لم أسمع مثلها قط ، وكأننى فى جنتى أرى مالم تراه عين واسمع مالم تسمعه أذن قط ، ولكن جنة الله خير وأفضل .

أنه ليس سوى نهار جديد ، أزداد اندهاشى عندما رأيت هذا الصفاء كله وفتنه الطبيعه تمتزج بضباب كثيف فى منطقة ما ، وكيف يكون لهذ الضباب من سبيل فى هذه اللوحة البديعة ، اتضحت الرؤية رويداً رويداً  والضباب فى انقشاع ، ينسحب من مشهدى بهدوء ، أناس كثر تلتفت يميناً ويساراً ، تلتف وتدور حول شئ ملقى على الارض  وكأنه مركز هذه الذرة الكبيرة من البشر ، أناس يصرخون ، وأناس يهتفون ، تعلوا الحناجر ، النجدة ... الغوث ... العون ، لا أرى ماهية الحدث بالتحديد ، فنظرى أضعف من أن يرى من هذه الارتفاع الشاهق ، أو لنقل أن بصرى أبى أن يعكر صفو هذا النهار الجديد بشئ أخر ، ولكن على غير الطبيعى وجدتنى ابصر عن ذى قبل ، أخترق المسافات الدنيا والحواجز الفاصلة ،أخترق كل الشخوص الواقفة أو المنحنية الباكية ، لقد أبصرت من أعلى الحدث وكأننى أطير من أعلى جناحين وهميين ناصعى البياض  ، رأيت مركز الدائرة والأجتماع شخص ملقى على الأرض بل جثة تغرق فى دمائها ، ورائحة الياسمين تملئ الأفاق ، أصوات تجلجل وتهلل ، أصوات توحد الله ، أصوات تتحشرج من الألم ، أصوات صوتها صوت الأنين والدموع ، أم تجثو على ركبتيها تنعى أبنها ، تغرق وجهها بدموعها ، تضع وجهه المدمم بين راحتيها وعلى فخذيها كما كانت تضع رأسه وهو طفل صغير يحبو نائم بين جنباتها ، تمتزج دموعها المتساقطة كالأمطار بدمائه ، كانت ترويه بلبنها فى حبوه العليل ، خطواته المتثاقلة فى سيره الأول فرشت له جفونها حتى يسير عليها ولا يسقط وإن سقط تلتقفه رموشها لتحتضنه ، كانت له الدفء فى أيام الشتاء القارصة ، بين ضلوعها يخلد وتتلقى هى لدغات العقارب الثلجية اللازعة ، تطلب له الهواء الرطب بيديها ايام الحر لتبعث الراحة على وجهة الرقيق ، تنفخ في وجهه لتشعره ببعض الرطوبة فتتمايل خصلات شعره ، تمسح بأناملها قطرات العرق من على جبينه كما تمسح الان الدماء من على جبينه من على كبدها الذى أهترئ ، حمل رحمها الذى أجهض بعد الكبر ، ترعرع بين أعينها وقلبها الى أن أرتمى بين احزانها وأوجاعها جثمان بلا حراك ، ارادت أن تقبله فتلوث وجهها بدمائه الساخنة ، نحيبها يعلو ... ويعلو ... ويعلو ، يصم الاذان ، لقد تغير المشهد تماماً من الأبيض الناصع الى الأسود القاتم ، وتسائلت فى نفسى لأى سبب  قتل ؟ ، لأى سبب قتل ؟ اجابنى صوت داخلي خارجي، خفى ظاهر، منخفض عالى، أنه الشهيد ، وقعت علي الأجابة مع اهتزاز الكون كله حولى ، سمعت الأذان يتردد فى كل مكان ، تسابيح ملائكية ، تهاليل وتكبير ، فرحة سماوية ، وجدتنى أقترب بغير ارداة منى من الشهيد وأمه الناحبه ، النحيب يقترب من أذني ويعلو و يعلو ، دموعها تنهمر وصوتها يخرج ملتقطة الانفاس بصعوبة يقبض عليه حسرة الالم قائلة : ووالداه ... واشهيداه.

رويدا ًعلى إدراكى، مهلا ً أن صوتها قريب الى أذني، قريب الى مسامعي، سمعته كثيرا ً من قبل ، مألوف لدى ، هل فى أحلامى أم يقظتى ، أقتربت ونظرت الى وجهها عندما ارادت هى أن ترى وجه أبنها لتلقى عليه نظراتها الشاحبة المختلجة بمشاعر الالم ، قلبت وجهه وأقتربت لتلامس جبهتة الدامية بشفتاها المبتله تلثمها ، أقتربت هى من وجهه وأقتربت أنا من وجهها ، وجهه ووجهها أصابانى بصدمة ، أصابانى بمفاجأة ، أننى أعرفه جيداً كما اعرفها ، وجهه مألوف ووجهها مألوف ، وجهه رأيته فى مرأتى كل يوم ، لامسته كثيرا ً ، داعبته ، أنه وجهى انا ، فأنا الشهيد ، همست أمى فى اذن جثمانى الغير فانى ، فأجساد الشهداء لا تأكلها الارض ، وروحى تسمعها ، دمائك فداء للوطن ياولدى ... فهل من نهار جديد . 


الإبتساماتإخفاء