رولا حسينات - قيود حريرية



قيود حريرية

رولا حسينات


آخر ما أحتمل رؤيته، أن ينهار أمامي كما أشلاء إنسان خرمت جسده رصاصة...وما كان ينقصني سوى أن أهيم في هذه الصحراء الممتدة بلا أفق، حيث تتطابق السماء والأرض بقطعة سواد لا تنبض سوى بوحوش الليل...واللفحة الباردة تقصم عظامي، وتلفح كل قشعريرة فيّ تقصفها إلى شظايا تفترش جسدي العليل، وليت علتي بالعشق والوله ..فكنت ذاك الصبّ المفتون فلا أبالي، وإن هوى بيّ حبُّ أنثى من أدراج السماء إلى أسفل سافلين.
وبقيت أرفع رأسي وأهوي بها كي لا يتسرب لجسدي الوهن مخاوف من صيب يهوي إليّ من حيث لا أعلم...
كلُّ ما أعرفه أني غادرت مغاضبا صاحبي، وقد حملتني دابة وضعت في بردعتها همومي وقربة ماء...وفارقته يفترش الرمال المفككة، وظني أنها مبتلعة إياه، غير أنّي تبينت متأخرا أن لا شيء يجمعنا معا، وصرخت فيه وهو يتوكأ عجزه الأبكم فلا يستنطق الحروف، أمام كوخه المتهاوي المشرف على الصحراء الممتدة، وهو في ذهوله وكأن الجنيات أصبنه، وسلبنه عقله وغبن في ثيابه التي ما تلبث أن تنتفخ حتى تلتصق بجسده النحيل، لتحكم حبس أنفاسه التي بالكاد يسرقها من زجاجة الهواء بقربه، التي شارفت على الانتهاء، وقد جُعلت في كل مكان في زوايا الكوخ الأربع...
 ومضيت وأنا ألعن تلك الصداقة التي جمعتنا معا...
 أيُّ مجنون هذا الذي أسكن معه متكورا على نفسي يداي، تلامس عجزي كقطعة واحدة؟
وأقاسمه طعامه وأشرب من ماءه وكأنه خليّ من ماء صديد؟
ألوم أبكما...وأشتم أصما...أيُّ أبله كنت؟؟...فالمجنون فيّ أسلم نفسه بسهوة إلى ساهد لا يقلب بصره في السماء وكأنما عمي بصره وأبقى على لون المحجرين بلون يميل إلى السكني...
لم لم أفكر قبل المرة أن هذا الرجل مسكون؟
 لم اسأل نفسي يوما من أين يأتي بتلك الزجاجات المملوءة بالهواء، ويتنفسها بحركة منتظمة؟...
تمتد بين ذراع مقوسة بين فم قد تسلخت شفتاه، ومال لونهما إلى زرقة داكنة، هجرتي على دابتي غريبا أقصد اللانهاية، حيث لا دفاتر ولا مصير، وعاصفة قد نثرتني، وأوراقي، وفرح اجتاح نفسي، ولبثت ساعات أكبو على ركبتيّ، وأتعثر حتى جثوت عند بابه، وتلقفني النهار بسكينة من جديد أمام هذا الكوخ، الذي لم يعتريني فضول لأبحث عن اللاشيء بين أضلاعه المنفصلة عن بعضها.
الخيط الرفيع من النور المنسل إلى الكوخ المطلِّ على الفضاء من كوة صغيرة مغلقة بخرقة بالية، بهت لونها، وتقاسم الزمن عليها ذيول الشقاء وشرب...
 كان وصولي إليه قبل عدة أشهر أو ربما شهرين أو ثلاثة...
لم أعد متيقنا من قدرتي على العد، الهذيان الذي بدأ يصيبني، وتلك الغشاوة التي حلقت فوق عيني وتلك البردعة التي بدأت تخرج منها الجنيات كأشباح متراقصة، وثقل في رأسي لم يجعلني أتبين أن الأرض تتزلزل من أسفلي، أم أنّ صدعا قد أصابها...!
 رغم ثقل يديّ أمررهما فوق مفاصلي المدقوقة في الرمال كوتدين من خشب منخور، قد أُشبعتا بالماء الحار... أبُلت على نفسي، واحتقنت مثانتي، والتهبت من الخوف...؟!
 كل ما فيّ لم أدر كيف كان؟ وكيف سيكون؟
 يهزمني الغثيان، ويسلبني الدوار ما تبقى مني...
 وقيود حريرية تنسل جسدي قطعة قطعة...
 الدوامة البيضاء التي يدور فيها لا يعي منها شيئا، فيغيب عن الوعي مخليا ما تبقى منه للهذيان.
بقيت عينا الدابة البيضاء معلقة بتلك البردعة على جسدها، وكأنها تسمرت من الخوف فما نطقت أو نهقت، وقد خيم السكون حولها دون صاحبها الذي كان أمامها ذاهلا، على الصخرة للتو.
الثقل في جسده الذي منعه من حمل يده أو تحريك إصبعه، والبرودة قد بدأت تسري في جسده ورائحة لعطر ما تنسل إلى أنفه، و وخزة تلهب ألم مفاصله فتحرك خموله، ودوار يقحمه، ممسكا رأسه، وقد تراقص النور أمامه بوهج له ظلال، وخيال امرأة تقاسم جسدها شعرها الأشقر.
 امتداد بين الخيال والحقيقة جعله يمسك بالقشة ليفيق، انتفض جسده، وهو يلتهم الغريزة المكبوتة في قبره المفتوح وهو ينظر إلى ذلك الجسد المفتول والصدر العاري يقبل إليه بابتسامة جعلته يفلت قبضته عن القيد الحريري في يده،  جعلت تلاعب يديه...نشوة سرت في جسدة رغما عنه كالقشعريرة، تحسسها بلذة كما لو حورية دفن وإياها في قبر تقرضه لسعاته ...


الإبتساماتإخفاء