أندرو ملاك - مجهولون في الارض



هل صادفت يوما ذاك الشخص الذى يخال نفسه انه احد الاباطرة فى مجاله لدرجة ان الناس يكادوا أن يصدقوا انه واحد من الهة الاغريق ؟ 
لقد  صادفت الكثيرين ممن يعتبرون انفسهم انهم من ضمن شعب الله المختار الذى لا يوجد احد حداه على هذا الكوكب .
فى الواقع انهم فى تفكيرهم هذا مغيبين اشد التغيب عن الواقع الذى نعيشه لدرجة انهم كمن يتبحر فى الجهل حاسبا نفسه انه سيغدو عالما .
يوجد من هؤلاء الكثير وانت تحتاج لهم بصورة ضرورية فى حياتك ولكن اريد ان انبهك الى انك لا ترى  جيدا هؤلاء المتواضعون العلماء الذين يعملون في صمت دون أن يعلم احد بوجودهم معنا في هذه الحياه والحق انه يمكنك أن تعتبر  هؤلاء رهبان لا احد يحتفى بهم فهم يعملون لا بغرض الشهرة او الحصول على المجد الحقيقة انهم اقرب للزهد فى كل ما هو ارضى .
اتركك مع قصة احد هؤلاء الذين لا يعلم احد بوجودهم بيننا و قد نقلت قصته كاملة كما قرأتها ....



عندما أتذكر ياسر الجندي فإنني أتذكر ذلك الوجه الشاحب المرهق، ولفافات التبغ التي لا تنتهي، والسهر في عنبر النساء البارد، وأكواب القهوة والحلبة الحصى، والممرضات الساهرات بالقوة يلعبن (الآل) بزجاجات الدواء الفارغة بانتظار الولادة التالية .. أتذكر القفازات الملوثة بالدم والقساطر،  وياسر الذي يركض في طرقات المستشفى في الظلام بحثًا عن فصيلة (أو سالب) من أجل عطيات أو إنصاف التي تنزف في عنبر الولادة بينما اختفى أهلها وهجرها زوجها. لو قابلته وقتها وكنت من ذات الفصيلة فلن ينقذك من براثنه شيء.. مهما قلت أو فعلت



ياسر الجندي .. ما زلت أتذكره كلما تحدث أحدهم عن إهمال الأطباء وجهلهم.  الأطباء الذين هم دائمًا غير موجودين في المستشفيات، فإذا تواجدوا كانت هذه نهايتك لأنهم يرتكبون الأغلاط القاتلة بالجملة.  المشكلة أن الأمثلة الإيجابية كثيرة جدًا لكنها غير مسلية ولا تروق للصحافة ولا المرضى. لا أحد يكتب مقالاً عن طبيب تبرع بدمه من أجل مريضة، لكن الجميع يكتب للصحف عن طبيب سرق كلية .. هذه هي طبائع الأشياء



أتذكر فاطمة ... الأم شبه الطفلة التي انحشرت رأس الجنين في مهبلها أثناء الولادة، مما أدى إلى تكوين ناصور بين المثانة والمهبل. النتيجة هي إنها كانت تبول بلا أي تحكم إرادي، وبالطبع طلقها زوجها على سبيل الامتنان والمودة، ثم اكتشف أطباء قسم النساء أنها مصابة بالاستسقاء وأنه من المستحيل إصلاح هذا الناصور الآن. دخلت فاطمة قسم أمراض الكبد لعلاج هذه الاستسقاء وسط عاصفة من ولولة أمها العجوز ولطمها. أسأل فاطمة عن لون بولها فتنفجر في البكاء وتقول: "وأنا حشوفه إزاي ؟.. هو أنا بأعمل زي باقي البنات؟"ـ



اعتاد ياسر الجندي أن يزورها في العنبر عندي يوميًا، وأتذكر السيرك الذي أقامه ليسليها ويضحكها. كيف كان يتكلم بطريقته (الريفية الأنثوية) التي كان يحسن اصطناعها كأنه امرأة ريفية عجوز، والتي اكتسبها من تعامله مع المريضات، وكانت تضحكهن دائمًا: "يا بت يا بطاطة يخرب مطنك .. ينيلك .. دانتي دراعك راح قد صباعي.. " . ثم يداعب أنفها بسلسلة المفاتيح: "حاتخفي يا بطاطة وتيجي القسم عندنا، ونعمل لك العملية .. لكن أمك .. أمك !!" .. ويتقلص وجهه في توحش يجعل فاطمة تنفجر ضاحكة  دامعة العينين كالأطفال: "أمك الولية الحيزبونة .. الولية القرشانة دي لو عتبت القسم عندي قسمًا عظمًا لأخلي العمال يرموها في الترعة"ـ



كنت أعرف جيدًا أن الاستسقاء لن يزول وأن الجراحة مستحيلة، لكني أخفيت الحقيقة عن بطاطة وعن ياسر الجندي معًا.  بالذات أخفيتها عنه



كنا نتهمه بالمبالغة كثيرًا، وبأنه يعاني خليطًا من لذة الاستشهاد والوسواس القهري. بعد انتهاء أعوام الطبيب المقيم صار من حقه أن يستريح وأن تكون نوبتجياته أقل، لكنه ظل يعيش بذات التوتر وذات الإرهاق كما كان وهو طبيب مقيم. نوبتجية قد تمتد لثلاثة أيام لكنه لا يغمض عينه فيها لحظة.  من الطبيعي جدًا أن يضع بيده الشبشب في قدمي مريضة، أو تراه هو والعامل يحملان اسطوانة أكسجين لأنه لا وقت لترف انتظار العامل الآخر



التبرع بالدم كان هوايته لدرجة أنه تبرع بدمه خمس عشرة مرة في عام واحد وهذا رقم قاتل، لكنه كان يعرف أن تخصصه هو تخصص النزف حيث ثمن الدم أغلى من الذهب، حتى صار ضيفًا غير مرغوب فيه في بنك الدم، وحتى تلقى الفنيون هناك أمرًا غير مكتوب من المدير يقضي بمنع د. ياسر الجندي من التبرع بأي شكل.  بالطبع سرق هو بعض أكياس التبرع الفارغة لتكون متاحة تحت يده في الظروف القصوى



يعبر الطريق أمام المستشفى فتسقط منه آشعات مريضة كان يحملها.. ينسى واجب الحذر ويعود ليلتقط الآشعات قبل أن تدهمها السيارات، فيضربه ميكروباص مجنون . غارقًا في الدم يحملونه إلى قسم العظام بينما مشكلته الوحيدة هي تبرئة سائق الميكروباص الذي لا ذنب له، ثم البكاء لأن غيابه عن القسم يعني توقف عشرات الأمور التي لن يقوم بها واحد آخر. إنه بحاجة إلى مائة ياسر جندي آخر ليفعلوا بالضبط ما يريده كما يريده



هل يبدو كلامي مبالغة كأنني أتحدث عن كرامات واحد من الأولياء ؟ .. يمكنك أن تسأل أي شخص من مستشفى طنطا الجامعي عن د.ياسر الجندي ليخبرك بأن ما أقوله يبخس الرجل حقه



لم يكن يؤمن بأي شكل أنه يستحق راتبه، وهكذا أنفقه كله على المريضات وجعل عنبره المجاني في قسم أمراض النساء أقرب إلى فنادق الخمسة النجوم: ستائر .. ثلاجة .. أزهار .. بالطبع لم يتزوج وقد ساعده هذا على أن يحتفظ بتعاليه على المال وهذه الرهبنة التي اختارها


ظل يرفض أن يدخل امتحان الدكتوراة - برغم أنه تلقى وعدًا بالنجاح -  لأنه يؤمن بأنه لم يحقق المستوى العلمي الذي يريده بعد، وقام بتسجيل كل ما يقابله في علم أمراض النساء على شرائط كاسيت يسمعها في الظلام في أي مكان يكون فيه وحده.. كان يريد أن يتحول العلم إلى طبيعة ثانية له. وفي النهاية دخل الامتحان ونجح لكنه لم يفتتح عيادة قط



جاءت النهاية سريعًا في نهار رمضان منذ أعوام عندما تأخر في الاستيقاظ من النوم ، وقد اعتبر ذووه هذا تصرفًا معتادًا في شهر الصيام.. فتحوا غرفته أخيرًا ليجدوه ساقطًا على الأرض وفي غيبوبة عميقة.  لقد قتله الإنهاك والجهد والسهر وارتفاع ضغط دم لم يعالجه قط، فأصيب بنزف مخي . أسبوع كامل مر والجميع يصلي من أجله لكن الموت ذواقة يجيد الانتقاء كما تعرفون.. عروس فاتنة لا تختار سوى الفرسان. وبعد وفاته جمعت مريضاته الريفيات الفقيرات المال من بعضهن وصنعن له صورة عملاقة علقنها في عنبره



أين ذهبت بطاطة وماذا كان مصيرها وسط هذا كله ؟.. لا أعرف طبعًا



د.ياسر الجندي كان بيننا .. أوافق تمامًا على أنه مثال نادر لا يُقاس عليه، لكني أدعوك إلى أن تتذكره  دوما و ألا  تنخدع بهؤلاء احفاد الالهة و أن تدقق حولك لتجد الكثير من هؤلاء الزاهدين أمثلة استاذنا د. ياسر الجندى.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +

1 التعليقات:


الإبتساماتإخفاء