نهى جلال - التراك


نهى جلال

بداخلي لاجئ يبحث عن وطنه  .. يحيرني أمره  فهو متعدد الهويات .. مشاغب الى حد كبير، متمرد، عابث .. ولكنه "إنسان" يحمل جميع الصفات التي تؤهله لهذا اللقب.
يجالسني  بعد نهاية كل يوم ليكشف لي سر جديد ومعلومة جديدة فهو له اراء ومسميات خاصة به وحده  .. يستطيع فرضها على جميع من حوله وإقناعهم في لمح البصر فهو متصدر قائمة الواثقين .. نخوض  جولات عديدة داخل عيون البشر  منها المثيرة. والمتعبة.. والسطحية .. يذكرني  بعد كل جولة  بإنه غريب يبحث عن موطنه وسوف  يرحل عندما يجده وكنت أومئ  له برٱسي علامة الموافقه ..  فلقد اعتدت على تلك الجملة فهو يرددها منذ  أن وطات قدماه جدار قلبي. 

تذمرت عند اول مرة ردد هذة الجملة امامي ولكنني ادركت سريعا   ان الصراع بيننا سينتهي بحرب نحن في غنى عنها ..  في تلك الليلة عقدنا معاهدة أن نترك مساحة سلام بيننا لنكمل الطريق بهدوء .. اذكر تلك المرة عندما جائني وهو يلهث  ليخبرني بكلمات سريعة وانفاس متقطعه بٱنه وجد وطنه ..تحرك بعشوائية يلملم اشيائه .. تابعته بخوف انزعجت عندما خيل لي بٱنه سيرحل ويتركني هنا وحيدة ف رحيله يهددني بالخطر .. لم يبالي بنظرات الفزع وملامحي التي كساها التوتر .. تابعته في صمت حاولت ان اساعده ولكنني لم اقوى.

جلست اتابعه وهو يهرول هنا وهناك وعندما انتهى من جمع اشيائه رحل  ... دون ان يودعني او يمسح على رٱسي لٱطمئن .. جلست اعيد شكل حياتي بدونه كان لابد ان يٱتي ذلك اليوم .. استعنت بتراكي المفضل استمعت اليه مرات ومرات وفي كل مرة كان يزيل جزء من توتري  حتى استسلمت للنوم رٱيته في منامي يركض  وهو يردد اسمي ويلتفت  يبحث عني كطفل فقد وطنه للمرة الثانيه ..استيقظت وانا اردد اسمه ولكني ادركت بٱنه حلم مجرد حلم .. وقمت بلأستعانه بالتراك ثانية لٱخرس الضجيج الذي التهم رٱسي وهكذا... وهكذا لم افعل اي شيئ ٱخر استسلم للنوم كل ليلة لٱستيقظ مفزوعه وانا اردد أسمه .. استعين بالموسيقى لتهدئ من روعي .. 

ثلاث ليالي لم يتغير  بهم سوى التاريخ .. وفي الليلة الرابعة ارتجفت وكٱن الخوف اقسم ان يحتل انفاسي و يطاردني استيقظت في الظلام ابحث عن شعاع ضعيف يقودني الى اللا شئ ربما.. تجولت لاستعين بذلك التراك الحنون كي اطرد الخوف من داخلي مدت يدي وهي ترتعش لٱوقظ الموسيقى واذا بيد تضمها برفق تراجعت خطوات للوراء واليد تجذبني اليها حتى انتهيت  بين احضان لم اتعرفها حتى استنشقت رائحته رائحة الٱمان احتضنني بقوة .. 

استسلمت تماما جذبني ليجلس امامي اشعل الشموع ظهرت ملامح وجهه .. شئ ما حزينة.. تائهة .. مشردة .. ملامح لاجئ كهل .. ضعيف .. احتضنته دون ان  انطق واستسلم وبكى .. بكاء  متواصل .. ضممته ليهدأ ويطمئن .. بدء صوت نحيبه يهدأ أسند رأسه على صدري .. احتمى داخله .. وكأنه طفل عجوز , أخذ يقبل يدي  وينظر في عيني مباشرة نظرات زائغة، تائهة مثله وأخذ يحدثني عن الوطن  بأنفاس منتظمة ونظرات ثابتة .. " الوطن ليس الذي فرض عليا ولم اختره .. اسرفت سنوات من عمري في البحث عن ٱرض ..هواء .. امان .. لم ٱجدهم سوى هنا  قالها وهو يضع يديه على رأسي  فٱنتي ٱرضي .. وأقترب وهو يهمس في أذني ويكمل  وانفاسك الهواء .. وحضنك هذا قالها وهو يرتمي داخل حضني ويتنهد بعمق موطني الذي احيا واريد ان اموت وٱدفن داخله ..


الإبتساماتإخفاء