نبهان رمضان يكتب: جمالية المكانية فى مجموعة (الوفاة السعيدة لعبده الحلاق)



مجموعة (الوفاة السعيدة لعبده الحلاق ) للمؤلف و الكاتب اشرف حسن الحائز على جائزة الطيب صالح الدورة الرابعة تكترث بالمضطهدين و المقهورين و الأقلية بداية من استر القبرصية اليونانية
و المشكلة القبرصية العرقية، حتى الأستاذ سالم المظلوم تحت قهر النظام فى قصة (لبان دكر).
من يقرأ هذه المجموعة الثرية يكتشف تكنيكات ثرية و متنوعة و متعددة لكنه لا يستطيع ان يتغافل او يغض الطرف عن اعتماد د.اشرف للمكانية ببراعة و اعتماده عليها بصفة اساسية لتتضح فكرة و ابرازها امام اعين المتلقى.
إن الحيز المكانى هو الفضاء الذى تتحدد داخله مختلف المشاهد و الصور و المناظر و الدلالات و الرموز التى تشكل العمود الفقرى للنص السردى .
آليات المكان ما هى إلا وسيلة من الوسائل الرئيسية لرصد الوقائع على مستوى السرد أى على مستوى الموقف و الرؤية.
فى قصة استر مثلا (اول قصص المجموعة) نجد استغلال المكان ليوضح الحالة النفسية و الداخلية لبطل القصة نجده يذكر الاماكن الدالة على الاقليات فى المجتمع دون ان يصرح بذلك صراحتا (الطريق الى بيت مس استر يمر بالكنيسة الارثوذكسية ذات الزجاج الملون و جمعية دفن الموتى الارثوذكس.) ص 11
فى عبارة اخرى يعكس المكان الحالة النفسية لبطل القصة (اصبح الطريق الى الجامع حزينا فى الذهاب و العودة و كنت دائما امر بالبيت فيصفعنى قفل كبير بارد ) ص 20
استخدام مكان كبير بحجم شوارع المدينة نظرا لعموم المضمون الذى يناقشه الكاتب داخل هذه القصة.
استخدم د. اشرف اماكن اخرى متنوعة ليست فى حجم المدينة لكنها احيانا مغلقة مثل المطعم فى قصة قبيلة الذئاب او جحر فأر كما فى قصة الوفاة السعيدة لعبده الحلاق ، احيانا مكان مفتوح لكن ليس فى حجم المدينة او الحى بل بحجم سطح منزل بلا سور رامزا للذات المشروخة ،المحطمة كما فى قصة قمر لى وحدى لتتضح للمتلقى داخل الراقصة التى سقطت من جانب السور المحطم حتى فاضت روحها.
فى قصى اخرى يستخدم د.اشرف مكان بحجم حجرة او غرفة داخل مدرسة رامزا لداخل جديد لفتاة يعانى من مشكلتها الخاصة (العنوسة) فى قصة اسئلة صباحية.
من المدهش فعلا استخدام د.اشرف لنفس المكان ( السطح) لكن فى حالة اخرى و طقس آخر سطح غرفة تحت قيظ الشمس ليتضح شرخ نفسى آخر داخل بطل آخر فى قصة اخرى لطلاق ابنته فى قصة امور عنيفة للشمس.
المفارقة احيانا فى استخدام مكان مغاير للحالة النفسية كما فى قصة قبيلة الذئاب(كنا ستة عشر جائعا فى ذلك المطعم)ص 187
جاءت المفارقة المكانية فى قصة كائنات زجاجية لتكشف عمق النفس البشرية و اتضاح تقلبها و ما كان مرفوضا و انكاره من بطلة القصة الى تمنيه و السعى لحدوثه ، مستخدما المفارقة بين شقة صغيرة فقيرة و حجرة بلا باب و بين شقة فاخرة مفروشة بافخر الاثاث . 
عدم إقتصار الكاتب على تصوير مكان واحد فى القصة الواحدة احيانا، تعدد الامكنة حسب تعدد الاحداث فى القصة الواحدة كما فى رماد دافئ و استخدام اكثر من مكان.
ارتباط مفهوم الحيز المكانى على مستوى الرمز ببعض المشاعر و الاحاسيس كما يمكنه ايضا ان يدرك القيم الايجابية و السلبية التى تظهر من خلال الزمان فى المكان من اجل تفسير حاضر الانسان بالمقارنة بالماضى اى اسقاط الماضى على الحاضر و ذلك يتضح بصورة كبيرة فى قصة رماد دافئ بتكنيك رائع بين التنقل من زمن لآخر و استخدام اكثر من مكان و ايضا فى قصة قبيلة الذئاب بصورة ابسط من رماد دافئ فى قصة قبيلة الذئاب جاء التنقل بين المطعم و ساحة الفيلا و حجرة النوم لتتضح عمق الحالة النفسية لبطلة القصة من مجرد مظهر زائف حتى يصل بنا الكاتب الى اغوار دواخلها لتتضح عمق الفكرة.
فى قصة الوفاة السعيدة لعبده الحلاق رسم د.اشرف مكان مصاغ من الفاظ لا من موجودات جحر الفأر الذى ينتظره الموت اذا خرج منه رامزا لغرفة عبده الحلاق و انتظاره الموت بين لحظة و اخرى.
استخدام الشيئية يعطى شعور ايحائى لكونها مرتبطة بوجود الانسان اكثر مما يقر و يعترف و إن كان وصفها هو فى حد ذاته وصف اشخاص الذى لا غنى عنه.
الاشياء تساعد على شرح المسائل التجريدية التى لا يدركها المتلقى. نجد تأثير كرسى رئيس القسم كما جاء فى قصة الكرسى كأن روح الزعامة تتلبس كل من يجلس على هذا الكرسى. اتذكر مقولة مأثورة (الانسان ينعكس فى الاشياء و الاشياء تنعكس فى الانسان).
يتميز د.اشرف بالحصافة فى انتقاء الامكنة و الاشياء عن وعى ليعكس الجوانب المعنوية الهامة مما يجعلنى اصف د.اشرف بالاديب الفنان.
نجد احيانا الايقاع المكانى اطغى من الايقاع الزمنى الذى ينقلنا الى اعماق المجتمع لكون المكان ليس مجرد اطار الاحداث و الشخصيات انما هو احد العناصر الحية الفاعلة و يحتل احيانا الصدارة فى القصة ليصبح جزءا هاما من الشخصية المحورية فى السرد الحكائى كما يتضح ذلك فى قصتى زفير سرى و لبان دكر.
هناك ملمح آخر داخل المجموعة القصصية الوفاة السعيدة لعبده الحلاق استخدام المنظر الطبيعى كحلقة فى سلسلة تطور الشخصية او باعثا من البواعث التى تشكل نفسية الشخصية السردية يتضح ذلك جليا فى استخدام القمر المخادع فى قصة قمر لى وحدى(اختارت ان ترقص وحدها فى ضوء قمر لكنه كان يشيح بوجهه عنها احيانا و يختفى بين السحاب) ص 36.
فى عبارة اخرى(نظرت فى السماء ،كان يتبعنا و يسير معنا اذا مشينا و يقف اذا توقف الموكب ، كنت اعرف ذلك القمر المخادع ) ص45

فى النهاية
نجد عملا ممتعا و شيق رغم ان معظم القصص طالت قليلا او كثيرا و كنت ارى فى اختصارها قليلا يعطيها حيوية اكثر و متعة اكثر للمتلقى.
جاءت اللغة شيقة وممتعة كان لها دورا كبيرا فى تخفيف وطأت طول القصص على نفس المتلقى.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء