محمد موتشا - بكاء السيانيد



 بكاء السيانيد
بقلم: 


تحكي الممرضة " كاترينا " التي كانت تتابع حالة " ثيودور ":-

ذات يوم جاء الى " ثيودور " زيارة لم تتجاوز الدقيقتين من أمه لم تتفوه بأي كلمة سوى أنها نظرت إليه وابتسمت ثم بكت وقبلته ثم ودعته وغادرت .. وما أن أمسى علينا الليل حتى لاحظتُ ضيق نفسه وزاد معدل ضربات قلبه للضعف وتورم حنجرته لمدة لا تتجاوز دقيقة .. وبعدها سمعت صوت صافرة تُشير بوفاته .. في خلال تلك الثواني المنصرمة كنت قد أطلقت صافرة الطوارئ ليساعدني أحد في إنقاذه ولكن للأسف وصلت المساعدة متأخرة وأنا أشاهده يستنفذ آخر أنفاسه دون حراك مني .. انقضى هذا اليوم المشؤم وتم استدعاء والدته وإخبارها بما حدث وتسلمت جثمانه وانصرفت لتحضير مراسم الدفن .. وبينما أنا أُرتب الفوضى بالغرفة بعد رحيله إذ بي أجد ورقة على المكتب الذي كان بجواره مكتوب فيها " لا يسعني إلا أن أشكركِ على منحكِ لي تلك الجرامات من عقار السيانيد لأريح نفسي به مما لحق بها .. أتمنى أن تكوني سعيدة الآن يا ( هيلين ) .. ولا انسى من شكري هذا تلك الممرضة التي سهرت كثيرًا لرعايتي والتي لا أذكر إسمها كالمعتاد والتي لا تعرف أنني سأموت اليوم ولا تعرف أنكِ لستِ أمي وأنني أبنكِ بالتبني الذي لم يكن يومـًا إبنـًا حنونًا عليكي رغم ما فعلتيه لأجلي .. لا أعرف إن كنتِ قد أصبتي في تلك الليلة عندما تبنيتني أو أنكِ أخطأتي .. لا أعرف  سوى أنني كنتُ مثيرًا للمشاكل أرجع كل يوم متأخرًا وأخبركِ بأني تأخرتُ بالعمل وأنتِ تعلمين أنني كنتُ أتواجد بالحانة في آخر الشارع .. وعندما كنتِ توقظيني صباحـًا كنتُ أنعتكِ بأقبح الكلمات ولا تغضبي مني .. والمرأة التي احببتها وأنجبتُ منها طفلًا وتنكرتُ منه وأنتِ على علم بذلك ولم يخطر ببالكِ أن تتخلصي مني وتُنهي عملية التبني هذه بل كنتِ تُساعدين زوجتي وتزورينها كل يوم دون علمي .. حتى أصابني ذلك الداء اللعين وبدأ ينهش في جسدي من الداخل والأطباء يعجزون عن معالجتي حينها جاءت زوجتي وأخبرتني بما فعلتيه ..

حينها كرهتُ كل شيء في حياتي وكرهتُ نفسي لما فعلته سابقـًا وإزداد كرهي في كل مرة تزوريني فيها بالمشفى وتصلين لي كي أشفى .. لم يعد بالأمر حيلةً سوى أن أغادر هذه الحياة اللعينة .. أعلم أني طلبتُ منكِ طلبـًا غريبـًا بعض الشيء وأعلم انكِ ستلبينه عندما أطلبه وأعلم أنه يعزُ عليكِ أن اُفارقكِ ولكن كان لابد من المغادرة بأي وسيلة .. لا وجود لي بينكم لا أريد أن أكون سببـًا في تعاستكم بعد الآن .. اُعذريني يا أمي لم اكن ابنـًا حنونـًا كما توقعتي قديمـًا .. أرجو ألا يكون طفلي مثلي في يومـًا من الايام .. إحرصي على ذلك يا " هيلين " .. وداعـًا ".

بعدما قرأت تلك الورقة .. لم أكن أعلم ماذا أفعل سوى أنني ذهبتُ لـ " هيلين " وأعطيتها الورقة باكيًة وذهبتُ حيث أمضي ..


الإبتساماتإخفاء