محمد السيد صلاح الدين - من يدير لنا الطاحونة؟



من يدير لنا الطاحونة؟

بقلم / محمد السيد صلاح الدين


توقفت عند المثل الروسي الذي يقول "إذا أصبح كل الناس أسياداً فمن يدير لنا الطاحونة؟ ومن ملاحظتي الشخصية أجد أن الفلسفة الروسية تتسم بالشكل الواقعي وتدفع الى الحياة العملية أكثر من الفلسفة الاغريقية التي تبحث عن فضائل الانسان وكيف يتصرف بحكمة وعقلانية.
وبدءا من اللحظة التي قرات فيها المثل والأفكار تتوارد على ذهني وتندفع عليه كالأمواج التي ترتطم بالصخر.
من يدير لنا الطواحين إذا صرنا جميعا رؤساء وزعماء ومديرين وأصحاب شركات وتوكيلات؟ نعم نعم أُدرك جيداً ان المجتمع لا يرى الفلاح كالطبيب وينحني للمهندس ويتعالى على العامل ويتحدث الى الظابط بلطف والى المجند بعصبية. والأخطر انه في حال اذا انعم الله على ولد من أبناء الفلاحين والعمال "الصنائعية" وكان من المتفوقين والمجتهدين دراسيا وعلميا يقف عند باب المهن الدبلوماسية والنيابية والسيادية بالدولة يتلهف نظرة عطف ورأفة ويتوسل للجميع حتى يقبلوه في تلك المهن المرموقة، وفى الغالب لا يقبل بسبب ان والده يعمل مزارع او نجار او نقاش او عامل بوفيه ... الى آخره.
هل يعقل بعد ان رسخنا في مجتمعنا العنصرية المجتمعية والطبقية ان يستمر الفلاح متمسكا بأرضة وبهائمة وان يفخر العامل بحرفته ويسعى لتطوير مهارته وصناعته؟ بالطبع لا فبعد ان رأى الفلاح والعامل تلك النظرة الدونية والمعاملة التعسفية قررا كل منهما ان يحثوا أبنائهم على ترك الطين والمواشي وأشفق صاحب الورشة والحرفة ان يورث ابنه الصنعة فينظر له المجتمع باحتقار ويخسر فرص كثيرة بالدولة حتى لو كان من أوائل الخريجين والنابغين.
وانطلقنا نتزاحم على الجامعات ليس حباً في العلم ولكن حتى يرضى عنا المجتمع والبرستيج والعادات ،  واصبحت الشهادات من دواعي التباهي والتفاخر بيننا ووصل الأمر للمكايدة بها بين الأُسر والعائلات . صرنا جميعا نحمل الشهادات ومتخرجين من أفضل الجامعات ، لكننا جالسين على المقاهي او في النوادي والقليل منا الذي قبل وتأقلم مع الوضع الراهن وعمل في غير علمه وتخصصه، فقط حتى يحصل على قوت يومه ومصروف شهره ولا يكون عالة على والدية.
فعلنا بأنفسنا ما لم تفعله به أعدائنا، أصبحنا نستورد القمح حتى نأكل الخبز ونستورد الشعير والعلف والذرة حتى تأكل المواشي ، حتى فوانيس السيارات وأوكر الأبواب صناعة آسيوية وتركية ليست من صناعتنا المحلية ، ثم تقولون ان اقتصاد الوطن مريض وسوف يتعافى! كيف يتعافى الاقتصاد ونحن لا نزرع ما نأكله ولا نصنع ما نحتاجه ولا نحقق الاكتفاء ولا نصل الى التصدير؟ سوف تستصلح الدولة الأراضي وتنشأ المصانع ولن تجد الأيادي التي تزرع وتصنع لأنها أبت أن تشعر بتفرقة او يُنظر لها بانتقاص، صور لنا المجتمع ان الحصول على اعلى الشهادات يستوجب علينا الحصول على اعلى مناصب العمل ، فكيف يقبل الشاب ان يهبط لأدنى المهن كما صنفها المجتمع بعدما حصل على اعلى الشهادات.
إذا أردنا ان نُعالج الاقتصاد ينبغي علينا ان نُصحح المعايير والمفاهيم التي غرسناه  في المجتمع وان نُمجد الفلاح ونرفع من شأن الصانع ونخرج اجيالا جديدة ترى جميع المهن على انها مرموقة ونافعة ومُرحب بها من المجتمع، بل ويكون أيضا للعمال امتيازات كالتي تمنح للمهن الأخرى ذات الهيبة والوقار . نستطيع ان نبني الوطن إذا ازالنا كل العوائق النفسية بين طبقات المجتمع وحطمنا اسوار العنصرية والتعالي ومحونا الأحقاد بين المهن وكافئنا الناس على نسب الإنتاج وليس على أساس الشهادة والمسمى الوظيفي.
وقتها تجد الجميع على قلب رجل واحد يكافح ويجتهد كل في تخصصه وحرفته لأنه شعر بالعزة والكرامة وزاده التقدير حبا للوطن وأثقل فيه الانتماء وافتخر بداخله بخدمة ونفع الناس.



الإبتساماتإخفاء