محمد مهاود - دموع الورد




دموع الورد

بقلم: محمد أحمد مهاود



تثاقلت خطواته الواهنة ، دب اليأس في روحه ، أنحنى ظهره وكأنه يحمل على عاتقه حملاً ثقيلاً القاه الدهر عليه فأحنى رأسه رغم أن عمره الضئيل لا يتعدى اثنى عشر عاماً ، ظهرت تجاعيد على وجهه وكأنها نحتت من مئات السنين ، ترتجف قدماه النحيلتان وهو يتقدم نحو منصة المحكمة مقيد الأيدي ، لا يستطيع التفوه بكلمه ، تتعلق كل الأنظار به وبخطواته الواهنه ، يشعر أنه يوم كيوم الطامة الكبرى وان الساعة قد حانت لا ريب فيها ، وكأنه يوم الحساب وسيحاسب أمام الخلق ، ضربات قلبه تتسارع يلهث من فرط الانفعال والحزن ، يجد صعوبة في الحصول على الهواء لرئتيه ، الأفكار مبعثرة تعتصر رأسه والحزن قابع داخل حجيرات قلبه ، لا يعلم ماذا يحدث ، ماذا فعل ؟!  نظرات الناس من حوله تلقى عليه اللوم وكأنه أرتكب جرماً لا يعلمه ، نظرات أخرى تشفق عليه فهو طفل صغير السن كبير الجرم .

طال الطريق الى منصة القضاء يشعر أنه قضى يوماً كاملا ً ، القاضي ينظر اليه وهو يتوسط مستشاريه وكأنه ملك متوج بين أعوانه وبطانته ، يثقب قلبه بنظرات نافذه حاده ، لا يعلم بماذا يجيب عندما يسأله عن جرمه ، ما هي جريمته التي بسببها كبلت يداه ولجمت الكلمات في حلقه ، يكاد يتشقق لسانه من جفافه ، نظر لهم بتساؤل لعل أحداً يجيبه ، لماذا يعتبره الناس خطراً عليهم ؟ .

ترتفع رؤوسهم لتشاهده وتتهامس الشفاه بكلمات لم يستطع سماعها ، لعلها تمتمات يلعنوه بها أو أدعيه ليحفظهم الله من شيطانه وجبروته ، بين الناس المحتشدة يقف أبويه بينهم ، تبكى أمه ، تكاد تصرع ، لم تستطع الصمود عندما تقابلت أعينهم وظهر فيهما حزن دفين ، انهمرت دموعها عندما رأت الأصفاد تكبل يديه لم تستطع مع كثرة نحيبها أن ترى بوضوح ، تتساقط دموعها على الأرض محدثه دوياً مريعاً ، يكاد يسمع خلجات قلبها الغير منتظمة دقاته ، يسمعها وهى تصرخ دون أي صوت ، نظرات أبيه تائهة ونزيف صدره المستمر ، فدموع الرجال كالنزيف رغم أن النزيف أرحم وأهون ، يتذكر نظره أبيه عندما نجح في المرحلة الابتدائية ، عندما ربت على كتفه وقال له أنه يحلم أن يراه ضابطاً يحمى عرين الوطن يوما ً ما ، ولكن أي وطن كان يقصد ، أبيه الذى وقف هو الأخر مكبلا ً بأصفاد لا يراها ، لا يستطيع فعل شيئا ً له ، لا يستطيع أن يساعده أو ينقذه ، لا تستطيع يداه أن تلتقطه قبل أن يهوى مثلما كان يفعل من ذي قبل ، يدعو دعاء مستتر بينه وبين الله لينقذ أبنه ، قال له والده ذات مره أن الله قريب يجيب دعوه الداعي إذا دعاه وها هو ينتظر الإجابة من رب الكون فهو يدعوه ولا ينقطع الدعاء بين جنبات قلبه.

تتزاحم التساؤلات في عقله 
بأي ذنب يحاكم ؟
تسأل روحه المؤدة بأي ذنب قتلت ؟ 

كل ما يتذكره هو أنه كان متفوقا ً في دراسته ويمارس رياضته المفضلة كرة القدم ، قال له أقرانه وأخلائه ذات يوم أن الوطن قد تغيير ، وأن العباد تحرروا من عبودية الحاكم ، سقطت الأمطار كالغيث من سماء الوطن لترتجف الأرض و تنشق ، تنبت الورود في كل مكان بألوانها الزاهية ، يملئ عبقها الزكي الهواء ، تنادى بالحب والعطاء ، تنادى بالثورة على الظلم والفساد ، الوانهم ألوان علم الوطن ، ترعرعت الورود على حب الوطن ، عرفت معنى الحرية والعدل ، لم تشرب من نبعهما من قبل ، تريد المزيد لترتوي بهم ، يتذكر أنه أحب أن يشارك في زراعة بستان الوطن ، ليغرس وردة في الأرض لعلها تصبح شجرة يوما ً ما يستظل بها غيره ويأكل منها القصي والداني ، وينهل من رحيق ورودها النحل .

قال له أقرانه يوما ً أنهم سيخرجون، سيهتفون ، سيرفعون أسم الحق عاليا ً ، خيل له أنه قد حان دوره وزمنه ، فقرر أن يشارك وذهب معهم ، الأيدي في الأيدي والاقدام تتقارب ، لا يدرى في أي صف يقف وينتمى ولكنهم بنو وطنه ، وقف معهم ، رفع العلم ، أرتفع صوته عاليا ً بتحيا الوطن و فجأة .....

قول والله العظيم هاقول الحق ؟ ...أنت أية اللي جابك هنا ؟...أنت عملت أيه ؟   

قطع حبل تساؤلاته وذكرياته صوت القاضي الجهور وهو يسأله ، فنظر اليه وقد ترقرقت دمعه يائسة من مقلتاه وسقطت حزنا ً على روح الوطن ، أرتفع صوت القاضي مرة أخرى يكرر السؤال فأجابه بدمعة أخرى أكثر التهابا ً سالت على وجنتيه ، سالت على ورق الورد وكأنها دموع الورد الذى لن يتفتح ويكبر الا كصبار ملئ بالأشواك.


                                     


الإبتساماتإخفاء