هاشم عبدالعزيز - رمسيس رايح جاي



رمسيس رايح جاي

هاشم عبدالعزيز


في ذلك الشارع الكائن بوسط البلد ،،لم أكن أدري أين أنا بالضبط ،، غريب عن القاهرة وهذه المرة الاولي التي أتواجد بها في المدينة دون إستخدام مترو الأنفاق ،، يا له من مشروع عظيم بجنيه واحد فقط تصول وتجول وتذهب إلي حيث تريد ،، نعم حينها كانت الناس تستقل المترو لقاء جنيه واحد ،، ولكن ما العمل المحطة مؤصدة لقد سك المترو علي بناته وسك علي أمالي في العودة إلي مقر عملي أيضا حيث يوجد مبيت العمال المغتربين ،، أنا لا يهمني الجنيهات التي سأدفعها إذا ركبت الميكروباص ما يهمني حقا هو أنني لا أدري أين أنا ومن أين سأستقل الميكروباص ،، حقا "الغريب أعمي ولو كان بصير " لا يهم سأسأل المارة و" اللي يسأل ميتوهش " ولكن أين المارة ؟ الساعة الثالثة في ليلة شتوية ينايرية و25 علي الابواب ،،قوات الشرطة تنتشر في الشوارع انتشار النار في الهشيم مدججة بالسلاح والهراوات ،، الحمد لله ظهر عامل نظافة سأسأله والله ستير وعالم بأنني كنت هنا لأمر ضروري وخطير كنت أتسكع بعد يوم عمل شاق ،، أعد عواميد النور واقرأ لافتات الاطباء والشركات والمحلات ،، أتأمل الشوارع والدكاكين خاصة دكاكين التبغ ،، اه من التبغ ،، كم أعشقه وأمقته في نفس الوقت ،، أبحث عن صندوق سجائر شيك ،، علي المرء ان يملك صندوق سجائر عتيق ليشعر بقيمته بين أقرانه المدخنين لا سيما مثل الذين في بلدتي يجب ان أعود إليهم بشئ جديد فأنا أعلم تمام العلم أنني سأرجع الي ثكناتي قريبا ،، أسبوعا كاملا ولم أتأقلم أو أنسجم مع أحد ،، علي العموم المدخن الحق يجب أن لا يكون بلا صندوق !! ،، لقد سرقني الوقت وخطفني ضجيج المدينة من شارع إلي شارع ومن ميدان إلي ميدان حتي إنتهي بي الأمر ها هنا ،، كان الرجل بين الفينة والفينة يمطرني بنظرات سريعة ،، يتقدم علي ثم يقف ويكنس الشارع بمقشته الشبه بالية،، إقترب مني مدققا في ملامحي ثم صدمني قائلا
-كان اي هيلب يو ؟
انفجرت فيه ضاحكا .. ضحك هيستيري أكاد أجذم أن ضحكاتي أيقظت النائم وأزعجت المستيقظ
الرجل ظن أنني أجنبيا ربما بسبب دولاب الأسمال التي أرتديها وأزينها بجاكيت جميل طبعا ،، لا أدري لماذا خاطبني بالإنجليزية وكيف لرجل مثله أن يتحدثها بمثل هذه البراعة ،، إن هذا النطق الصحيح المتمكن لا يدل علي شخص حفظ بعض الجمل يقولها عند اللزوم بل يدل علي رجل أعلم وأثقل من ذلك بكثير ،، ماذا لو أجبته بالعربية وخيبت أمله في الدولار أو اليورو الذي ينتظره من أجنبي تائه ،، علي العموم جاوبته
= يس يس .. اركب رمسيس منين يا عم الحاج ؟
- ضحك الرجل قائلا لمواخذة يا ابني اصل لبسك لمو آخذة كأنك جاي من موسكو الشارع الجاي شمال يا حبيبي تلاقي ميدان طلعت حرب أمسك شمالك برضه قد خمسين متر كده تلاقي عربيات علي يمينك بس اوعي تسأل العساكر اللي واقفة أول الشارع الدنيا ليل ممكن يغلسوا عليك .
دسست يدي في جيب الجاكيت وأخرجت له جنيهان معدنيان .
= شكرا ربنا يعينك
- لا والله ابدا يا بن الحلال انت ماشي علي طريق
= لا متشيلش هم .. معلش هم قليلين انا اسف .. بس دي مقدرتي
- أخذ القليل الذي قدمته له شاكرا ب" ولا يهمك" ربنا يستر طريقك ويوقفلك ولاد الحلال
إنصرفت واضعا يدي في جيوب الجاكيت احتمي من قسوة البرد ،، بين الحين والحين أتأكد من وجود حافظة نقودي وهاتفي وعلبة سجائري 
تلك هي اسلحتي وذخيرتي ،، لقد شربت وصفة الرجل وصرت أرددها حتي حفظتها عن ظهر قلب ،، وصلت إلي ميدان طلعت حرب فلا بشر ولا سيارات بإستثناء الملاكي والتاكسي ،، إنتظرت كثيرا ولا جديد،، كم تمنيت أن تقف سيارة وياخذ قائدها كل ما في جيبي ،، أسناني تصطك ،، أرتعد بشدة ،، الطقس بارد إلي الحد الذي تستطيع معه ان تلقي نفسك في أول تنور تصادفه بل قل أول تنانير تصادفها ،، فجأة تمهلت أمامي سيارة تاكسي وأخرج السائق رأسه من الشباك
- رايح فين
= رمسيس
- ميت جنيه وهشغل التكييف .
= تكييف إيه الدنيا تلج !!
- تلج ؟ .. انت من قبلي ولا من بحري ؟
ما هذه الحماقة لقد انفلت مني حرف الجيم معطشا دون أن أدري. 
أجبته قائلا :
= بحري
- عاوز تدفع كام؟
= خمسين ،، اللي معايا
- طيب بص شايف الشارع اللي هناك ده ،، تمشي فيه طوالي شوية حلوين بعد كده تسأل علي رمسيس او هتلاقي نفسك اصلا في رمسيس 
- الله يباركلك ويستر طريقك 
فر من أمامي هاربا فرار العصاة حينما تذكر أمامهم سيرة الموت ،، تعجبت محدثا نفسي هي الخمسين جنيه مش كفاية من هنا لغاية رمسيس ،، اه علي دي بلد ولسة ياما هشوف فيكي !
أمتطيت الشارع ،، مشيت ومشيت حتي قطعت مسافة لم أمشيها من قبل ،، أصابني الملل والتعب ولكن يبقي الأمل ،، بعد مدة من الزمن سأصل إلي عملي وأستريح ،، أشعلت سيجارة أسحق بها مللي وتعبي ولكن كيف ذلك والتدخين أثناء السير أو علي معدة فارغة كالزواج بدون حب لا طعم له ولا فائدة منه ولكنها العادة !،،نعم إنها العادة،،حين كنت أفكر في الزواج والحب والعادة سمعت صوت أقدام تقترب مني .
ظهر أحدهم يطلب مني أن أشعل له سيجارته،، إن هيئته غريبة ،، شعره يشبه شعر المطرب التسعيانتي "علي حميدة" ،، مطرب ظهر فجأة واختفي فجأة، ، يرتدي صاحبنا جيبة سوداء طويلة وبلوزة بيضاء ذات أكمام ،، نعم كأنه إمرأة لولا الشارب واللحية فسيكون أنثي لا شك ،، كل واحد حر ،، أه لو كان شيخ بلدتنا مكاني الأن والله لنحره نحرا ،، لا أنسي اليوم الذي انهال علي فيه بالتهم والشتائم عندما وجد شعري طويلا إلي حد ما فماذا عن صاحبنا الذي يرتدي زي النساء ،، ولكن هناك فارق هنا المدينة وهناك الريف !
ضاجعت سيجارته سيجارتي فشكرني بود وهم أن ينصرف فأستوقفته قائلا 
-احنا فين دلوقتي لو سمحت ؟
= وسط 
-نعم ؟ 
= وسط البلد 
- وسط البلد اسمها وسط ؟،، مش مهم ،، لسة علي رمسيس كتير ؟
= اه كتير ده انت لازم تركب حرام رجلك توجعك 
- لا انا حابب اتمشي
= اوك ،، اتفضل اتسلي وانت ماشي 
إنها علبة سجائر اجنبية ماركة مارلبورو ،، أتت في وقتها ،، لقد نفذت سجائري منذ قليل ،، التي في يدي هي الأخيرة والطريق الله أعلم به وهل سأجد علي جانبيه أكشاك بها سجائر مصري أم لا ،، تناولتها وشكرته ،، وصار أمامي بخطوات سريعة جدا مقارنة بخطواتي ،، الطقس بارد يشجع علي المشي ولكن شتان الفارق بين المشي وما أفعله انا ،،إن مسافتي بعيدة أهلكت أقدامي وأنهكت قوتي ،، فتحت علبة السجائر برفق،ما هذا،أين الفلتر الأحمر؟ إنهما سيجارتان ملفوفتان بمهارة و كأنهما نقعا في الزيت ليلة كاملة ،لا شك إن هذا حشيش ،، يا فرج الله ،، لم أدخن الحشيش منذ زمن بعيد ،، ولكن ما أنا فيه ليس مناسبا بالمرة ،، لا المكان مكانه ولا الزمان زمانه ،، روح وردة الجزائرية ترفرف علينا الآن أيها السادة! ،، أغلقت العلبة وسرعان ما فتحتها وأخرجت واحدة ،، إلتقطتها شفتاي ،، إنهمكت في تدخينها بنهم ،، إنها المرة الثالثة التي أدخن فيها الحشيش ،، المرة الأولي كانت في حفلة زفاف والثانية كانت بعد المشاركة في جلسة عرب ودية وبعد أن عانق الأطراف المتنازعة بعضهم البعض عانقنا نحن سجائر الحشيش بل أمطرناها بالقبلات الحنونة وها هي المرة الثالثة ،، بدأت أشعر بالنشوي، ، إختفت البرودة وأختفت الأفكار التي كانت ترهقني بل اندثرت واضمحلت ،، لا أشعر ببطني ،، اين ذهبت هي لا أعلم ؟،، كل ما أدركه الأن أنني أريد أن أضحك وأغني أيضا ،، أتري ما الأغنية المناسبة لهذه اللحظة ،، وقف الخلق جميعا ينظرون كيف ابني قواعد المجد وحدي ! ،، إنها هي ولماذا هي لا أدري أيضا ،،
خانتني ساقاي ولكن سرعان ما أتزنت وأنتبهت ،، يجب أن أستيقظ من غفلتي ،، أنا في شارع ملغم بالجنود والمعدات العسكرية ،، ما هذه الحماقة التي أرتكبتها في حق نفسي ؟ ،، لماذا لم ألقي علبة السجائر في أقرب سلة مهملات ؟ ،، بينما ألوم وأعاتب نفسي زارني السعال وصرت أسعل حتي سقطت علي الأرض في وضع السجود ،، دفنت رأسي في الارض ،، إنني متعب جدا لا أقوي علي النهوض ،، ولكن يجب أن أنهض ،، أصارع خمولي والتنميل الذي سري في سائر جسدي ،، في تلك اللحظة لفت إنتباهي شئ ما ،، يري الناظر من بعيد لجنة أمنية موانع وشوك وغيرها من معدات وأدوات الأمكنة العسكرية ،، زي أميري وغيره ملكي ،، جاء لك الموت يا تارك الصلاة ،، مشيت خطوات معدودة فاستوقفني أحد الذين يرتدون زيا ملكيا ،، في لمح البصر وجدت نفسي أمام الضابط وكأنني دخلت غرفة إنعاش وتمت إفاقتي فورا، ، ربما الخوف هو الذي أفاقني ،، رماني الضابط بنظرة فيها الكثير من الشك ربما لسوء هندامي ثم قال 
- بطاقتك يالا
= حاضر 
نطقت كلمة حاضر علي أربعة مراحل كل حرف منفرد منفصل عن الاخر من فرط الخوف والرهبة طبعا ،، في ذلك الوقت أستوقف أمين شرطة سيارة خاصة وأشار الي الضابط بيده فتركني متوجها إلي السيارة
تنفست الصعداء ،، يبدو أن الضابط قد أدرك أن في الأمر شيء غير مريح بسبب البطء الذي رددت عليه به ،، يجب أن أصمم علي إتزاني أكثر منذ ذلك ،، كنت حريص كل الحرص أن لا تفلت مني إي حركة أو لفظة تدل علي سكري ،، كل ما في الأمر أنني محموم وكنت في مشوار إلي صيدلية الإسعاف ولم أجد الدواء الذي ذهبت هناك لاشتريه، يجب أن انهي الموقف بأقصي سرعة ممكنة حتي لا ينكشف أمري ، ماذا لو انكشف الأمر وظهرت الحقيقة ،، لا لا لا ،، كفي تشاؤم ،، إنني شاب صالح ما ضررت أحد قط وسيكون الله معي حتما ،، نعم الله معي والدليل علي ذلك قطرات المطر التي تهطل الآن ستمنحني الفرصة لترتيب افكاري وإستجماع كامل رشدي المتناثر .
الضابط دخل السيارة التي كان يفتشها منذ لحظات، ، أيعقل ان يختبئ ضابط من المطر في سيارة مواطنة لا يعرفها وسيارات الشرطة موجودة بكثرة في الشارع ،، لماذا لا تكون صديقته او قريبته ،، كفاك تطفل وما شأنك انت،، كل واحد حر انت في القاهرة باريس الشرق ،، مدينة الحرية والضجيج والجنون،، ولكن أي حرية إنهم أستوقفوني بدون سبب ،، إن هذا السلوك ضد الحرية ،، إنها مدينة الجنون وفقط ،، أه يارب إنها حرية مع ايقاف التنفيذ حرية مشروطة بالقوة ،، قاموس الحرية لا يوجد به كلمة الضعفاء لا سيما ضعاف البنيان أمثالي ،،المهم أنني بخير إلي حد كبير الأن،، بخير جدا ،، اه لو خرجت من هذا المأذق بسلام ،، سأصلي لله كثيرا ولن أقبل علي الذنوب قط ،، ولكن أي ذنوب أنا لا أرتكب مثل هذا الذنب إلا كل عامين مرة ربما كل ثلاثة أعوام ،، ولكنك إرتكبته وهذه المرة بجنون وتهور وحماقة أيضا ،، يارب يارب ،، أستر يارب ،، هكذا كنت أتمتم بل بالأحري أتباكي بكاءا داخليا لا يسمعه إلا الله وأنا وإبليس .
توقف المطر ،، جاء الضابط بعد أن أستودع قريبته قائلا لها سلامي وتحياتي لبابا ولعمتو ،، اقترب قابضا علي ساندويتش يأكله بنهم وبيده منديل ورقي يمسح به حوالي فمه ثم خاطب الأمين قائلا، ، افتح حارة واحدة الناس تعدي منها واستريح لك شوية ثم أضاف ناظرا لصاحبنا
- انت ايه حكايتك بقي يا سيدي ؟ جاي منين ورايح فين
نظرت إلي الضابط بود مصطنع ثم لم ألبث أن حولت عيناي عنه فورا ناظرا إلي جبينه حتي لا يكشفني إذا تلاقت العيون . والله لو إنكشف أمري ستكون عيني هي السبب ،، كم فضحتني في مواقف سابقة
= ابدا يا باشا كنت في الإسعاف بجيب دواء انا مريض جدا وبدور علي علاجي من المغرب مش لاقيه 
- سلامتك مالك 
= الحمي يا باشا بقالها يومين مش عاوزة تمشي 
- مش عاوزة تمشي ،، لا ملهاش حق ،، امشي يا حمي امشي ،، ما تمشي بقي يا حمي يا بنت ال .
انهال بالشتائم علي الحمي واسلافها خاصة أمها وجدتها لم تفوته العادة المصرية العريقة وهي ذكر أعضاء الأم التناسلية "ام الحمي طبعا " بين الشتائم كأغلب المصريين لا تفوتهم هذه العادة أبدا .
كدت أن اضحك وتسقط عباءة إتزاني ولكنني تماسكت ،، إنني لو ضحكت في هذه الحالة لن يقوي أحد علي إيقافي ،، إنني اذا ضحكت وأنا في كامل وعيي يصل ضحكي إلي الصهللة فماذا في حالة الغيبوبة ؟!
تظاهرت ببعض الغضب،، عقدت حاجبي وصمتت صمتا رهيبا.
- ايه ده انت زعلت .. انا بهزر معاك .. الف بأس عليك وجبت الدوا 
= ما عاش اللي يزعل منك يا باشا انا بس اللي عيان ،، لا ملقيتهوشي 
-غريبة طيب انت عارف اسمه 
=لا بس عارف شكله 
- يا سلام ! .. طيب طلع اللي في جيبك حطهولي هنا 
= حاضر
تلاطمت قدماي وتمكنت الرعشة مني وجهدت أخرج السجائر والهاتف حتي وضعت كل اسلحتي وذخيرتي علي منضدة الضابط 
تناول الضابط حافظة النقود وأخذ يتفحص محتوياتها ،، ثم تمعن في شهادة إتمام خدمتي العسكرية ،، إنها صغيرة جدا كنت قد صورتها بالألوان صورة مصغرة وغلفتها بعناية حتي أقدمها لمن يهمه الأمر
- ده انت لسة متخرج طازة ،، كنت في سلاح ايه يا 
= سلاح الإشارة 
- انت شاركت في ثورة يناير 
= لا
- ليه مش مؤمن بيها 
= لا ماليش في السياسة 
= ولا تلاتين ستة 
- لا 
تفرس في ،، صمت لبرهة ،، من ناحيتي فعلت كل ما في وسعي حتي لا ينكشف أمري ،، هم الضابط أن ينهض ،، لقد قام في ذهنه أن يصرفني لا سيما أننا نسمع صراخ أحد الأشخاص بجانبنا، ، إنها حفلة ضرب ،، شاب ينام علي الأرض يركله جندي من الخلف وآخر يبصق عليه ،، ياله من مسكين ،، لمح الضابط في عيني بعض الشفقة علي الشاب فجهد يقول ،، إنه معروف لدينا ،، لم تتوقف حماقاته عند التسول و الشذوذ فحسب بل وصل به الأمر أن يدخن الحشيش في صدر الطريق ،، دققت في وجه الشاب ،، يا الله إنه الذي منحني السجائر منذ قليل 
-يعني منزلتش في تلاتين 
= لا يا باشا 
- طيب طيب ،، لم حاجتك وأتوكل ،، ربنا يشفيك وانا اسف لو عطلتك وانت تعبان 
= لا داعي للأسف ربنا يخليك 
هتف الضابط بالجنود، ، كفاية كده فتوقفوا
لملمت أسلحتي وأنصرفت ،، مضيت أفكر في مصير هذا المسكين ،، هل هو شاذ فعلا من الممكن أن تكون وظيفته مهرجا أو ممثلا مسرحيا ،، أيعقل أنه متسول ؟ أشك في ذلك ! وما شأني أنا وماذا سأصنع له؟ ،، ما باليد حيلة ،، ما لهذة الليلة لا تريد أن تنتهي ،، متي يطلع الفجر ،، ما رأيته في ليلة واحدة أصعب مما رأيته في عمري كله .. إنها المدينة وسرعتها ،، الزمن يهرول بالناس هرولة لص محترف ،،جلست أستريح بعض الوقت علي رصيف نظيف نوعا ما خالي من الطين والمياة التي أستقرت علي معظم أرض شوارع المدينة ،، ربما لأن في الأعلي توجد مظلة حديدية فكان هذا الجزء نظيفا .
.
إن أول شئ سأفعله في الصباح هو أنني سألملم هلاهيلي وأعود إلي بلدتي فورا،، انا لن أتحمل قسوة المدينة ،، لن أقوي علي التفاعل والإنسجام مع طباع أهلها
بينما أحاكي نفسي فأذا بفتاة تظهر أمامي علي حين فجأة، ، كأنها خرجت من تحت الأرض، ، إمرأة يوحي مظهرها بالقذارة والجنون ،، منكوشة الشعر حافية القدمين ،، في الثلاثين من عمرها أو أكثر من ذلك بقليل ،، تمسك في يدها اليمني علبة بيرة ستيلا صغيرة الحجم وفي اليسري نصف سيجارة غير مشتعلة من الواضح أنها لا تدخن ،، إنها تقبض عليها بلا حرفية او خبرة سابقة ،، يتساقط من فمها لعاب يثير الغثيان،تظهر أسفل عيناها الصفراوان هالة حمراء خفيفة، هذه الصفرة لا تدل علي شيء إلا علي فقرها المدقع .
اشتعل رأسي شيبا ،، أفرك ركبتي بأطراف أصابعي،تشبثت بأرض الرصيف ،، غرست أظافري فيها كادت أن تنخلع من رحم أصابعي ،، أغرسها أكثر كلما اقتربت هي أكثر ،يا الله كأنه الجاثوم لا أقوي علي النطق ولا أقوي علي الفرار ،، أهذه عفريتة ؟! ،، عفريتة في وسط البلد ؟! ،، بسم الله الرحمن الرحيم ،، وأخذت أردد أية الكرسي وسورة الفلق وغيرها من السور 
بينما انا أردد ،، هي تتحسس هالتها الحمراء وتنظر لي بكثير من اللوم العتاب ،، انتظرت حتي إنتهيت من وصلة السور التي قرأتها فخاطبتني قائلة 
- تاخد شوية؟! 
أخذت أتنهد ،، أبلع ريقي مخففا جفافه الناشئ عن هول الموقف
- لا بس انت متستاهلش .. انت حرقتني .. متخافش انا مش عفريتة ،، متخافش مني والله انت حرقتني ،، كل الناس بتشوفني بتبعد وتخاف ،، والله انا بشر زيكم
اطمئن بعض الشئ ولكن أنفاسه ظلت متقطعة وكلماته فيها غير قليل من التلعثم 
اااانا حرقتك ؟! 
- السيجارة اللي إنت رمتها وانت داخل علي اللجنة ،، نزلت علي عيني شوف عملت إيه في عيني مشيرة إلي هالتها الحمراء 
= بس انا رميت السيجارة في صندوق زبالة 
- ما انا كنت قاعدة بأكل هناك 
= هناك فين ؟ 
- في الصندوق 
= صندوق الزبالة ؟
- أيوة ،، انت رغاي كده ليه 
عند ذلك وثبت عن الرصيف واقفا علي الارض ،، أشعر بكثير من الإرتياح 
= خلاص مصدقك ،، عاوزة ايه مني دلوقتي انتي سيبتي مفاصلي ،، ان كان علي الحرق البسيط ده سيبيلي عنوانك هبعتلك تمن علاجك لما اقبض مرتبي ولا اقولك تعالي نشوف اي صيدلية اداويكي هناك وسامحيني يا بنت الحلال .
لم تولي لكلماتي اي اهتمام ثم فكرت مليا وقالت انا معنديش عنوان 
= امال ساكنة فين ؟ .. في صندوق الزبالة ؟
- في الشتا في الصندوق وفي الصيف علي الرصيف 
= ما شاء الله ونعم السكن يا ست هانم 
- انت بتتريق عليا ؟ اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكش وانت هتعملها علي نفسك 
= لا فشر ما عاش اللي يتريق عليكي ،، اي واحدة ست عندها بيتين شتوي وصيفي تبقي هانم بالطبع ! 
- طب خد شوية كوكاكولا 
=هتعمليهم عليا دي بيرة مش كوكاكولا 
- طب ما انت بتشرب حشيش 
= ما كنتش اعرف انه حشيش ،، غير بعد نفسين تلاتة 
- هعمل نفسي مصدقاك ،، كملت ليه وانت عارف انه حشيش متنكرش ،، انت كنت عارف 
= بصراحة اه كان واحشني ،، ايه ده بقي انا اللي رغاي ؟! ،، لسة كتير علي رمسيس يا عفريتة هانم ؟
- اه لسة ،، هتمشي معاك اوصلك 
= لا شكرا مش عاوز انا همشي لوحدي 
- براحتك بس سيجارتك لسة معايا لو حابب تاخدها خليني معاك 
= موافق بس مش علشان السيجارة ،، علشان انا خايف
قوليلي انتي اسمك ايه 
- حميدة 
= اسمك حلو 
-تعيش 
= انتي شوفتيني ازاي وانا برمي السيجارة مع انك كنتي في الصندوق بتاكلي 
- اه اصل صندوق الزبالة مخروم من الجنب علشان كده شفتك ،، صناديق مصر كلها مخرومة والله يا .. الا انت اسمك ايه 
= ده انتي عليكي شوية لماضة ،، اسمي صابر 
- عاشت الاسامي 
= تسلميلي 
- وشوفتي إيه تاني عند اللجنة يا حميدة 
= شفت الواد المنسون والعساكر بيضربوه 
-وايه رأيك في اللي عملوه 
= يستاهل هو احنا ناقصين فقر و غضب من ربنا،مبقاش في غير قوم لوط كمان 
- يعني الواد ده سبب الفقر يا حميدة ؟ قوم لوط ايه ده كان بيتضرب علشان سكران وكان ممكن انتي او انا نكون مكانه
= أيوة هو وامثاله الاغنياء سبب فقرنا،، ولو علي السكر انا بشرب علشان اتحمل الوجع وأوقات كتير بتوجع اكتر لما بشرب بس في كل الاحوال الشرب بيخليني اتحمل .. امسك ولع سيجارتك خد النفسين قربنا نوصل، ، خليك في حالك ،، قلبك ميحنش علي حد ،، لو فضلت طيب هنا هتتاكل اكل من اللي يسوي واللي ميسواش 
- يا سلام علي النصايح 
= اتريق براحتك 
- هي الليلة والأيام الكوبية دي هتعدي غير بالتريقة يا حميدة ،، انا ربنا واعدني النهاردة بناس كلامها علي عكس مظهرها خالص يا حميدة 
= يعني انت اللي اسم الله عليك قوي ما انت زينا بس الهدوم مدارية ،، هي دي مصر حالها مقلوب علي طول وقاسية علي عيالها الطيبين
- انتي حكايتك ايه ،، انا مستعد اسمعها لغاية ما نوصل 
= لا تسمعني ولا أسمعك بعد كام متر في لجنة تانية ،، شايفها 
- لا انا مش شايف حاجة
- عينك حمرة دم ولو اتثبتت هناك هتاكل علقة موت 
= والعمل؟
- نحود الشارع الجاي 
= ممكن يكون فيه لجنة 
- بس تعالي ،، انا برضه اللي لمضة ؟!
ركبنا الشارع الفرعي وبعد خطوات قليلة ظهر أحد الاشخاص نائما علي الأرض، ، بعد أن اقتربنا منه اكتشفنا أنها إمرأة ،، إنها ممتلئة الجسم حاسرة الرأس بارزة الزينة تضع أحمر شفاة وغير قليل من بودرة الوجه رقبتها مزدانة بسلسلة كبيرة بدت من خلالها كأنها هانم من العصر الملكي .
إبتعدت حميدة عنها قليلا ثم دنت مني موشوشة أذني
سيبك منها ويلا نمشي دي زي الشاذ اللي كان في اللجنة ،، بص لابسة قصير وضيق وحاطة احمر وأبيض ،، من منسون لعاهرة يا قلبي لا تحزن ،، يلا قبل ما تجيبلنا مصيبة
كان قد تساقط لعاب حميدة داخل أذني فدفعتها بعيدا عني ،، إيه القرف اللي بتقوليه ده ؟ دي بتتوجع اهو ،، شايفة ؟ ،، حتي لو عاهرة لابد نساعدها .
- بقولك يلا .. انت يا غبي .. بنادي عليك .. انت عارف لو هي مش عيانة مش بعيد كانت تفت عليك ،، يلا يا اهبل ،، ده مش وقت طيبة و جدعنة ،، مش هتلاقي جدعان وطيبين إلا من توبك يا حمار
إستقبلت كلمات ونصائح حميدة وكأنها تعوي ،، لم أهتم لها البتة ،، كانت فكرة إغاثة السيدة هي المسيطرة علي وقررت ان لا أتركها مهما كانت النتائج ،، من الممكن فعلا أن هذه السيدة لو كانت صحيحة البدن سترفض حتي أن أكون خادمها سأكون عار عليها فضيحة وجرصة وربما العكس ولكن علي العموم يجب أن أفعل الخير وألقيه بالبحر ،، أليس كذلك ؟ !
كانت المرأة تضرب بقبضتها علي صدغها بقوة وتصدر صوتا عجيبا يشبه صوت البهائم عندما تنحر، ، بدأت تعض الرصيف وتضرب بيدها علي الأرض وكأنها حكم مصارعة حرة يضرب بيده علي ارض الحلبة واحد اثنين ثلاثة حتي يرفع يد المصارع الفائز ،، لم يفيد ذلك أيضا، ، فأنتقلت إلي البروفل الأزرق التي ترتديه تضغط عليه بأسنانها ولا جدوي !
قلت لنفسي " مابدهاش " سأعرض عليها المساعدة ويحدث ما يحدث ولتذهب حميدة إلي الجحيم
- مدام ،، أقدر أساعدك
رفعت رأسها قليلا ،، ألقت علي نظرة بطيئة ،، نظرة غريق تعلق بقشة ثم قالت
- آنسة لو سمحت ،، ااااااه ،، أسناني كلها بتوجعني ،، ااااااه
المرأة مرأة حتي لو كانت جثة ممدة علي خشبة الغسل ،، لم استعجب ردها ولا تعليقها الغير مناسب للموقف الذي نحن فيه ،، إنها المرأة وهذه المرأة غير كل النساء إنها تزينت زينة صارخة مع ان الألم يقتلها قتلا ،، لا لا ،، لن اظلمها ،، ربما اشتد عليها الألم وهي بالخارج ،، الله أعلم
= خير ان شاء الله ،، خطوات بسيطة ونلاقي صيدلية ،، تقدري تمشي شوية صغيرين
- لا مش قادرة
= طيب معاكي فلوس ناخد تاكسي ؟
كادت أن تقول نعم ولكنها توقفت توقف الخاشي المتردد
- إيه ؟ لو مش معاكي ،، تعالي علي نفسك ،، في صيدلية قريبة انا لسة شايفها من شوية
حميدة تواصل النداء علي وأنا لا أبالي وبدأ صوتها يختفي تدريجيا ولكنني لم ألاحظ هذا اإختفاء بسبب إنشغالي بأوجاع هذه المسكينة
دفنت رأسها في يدها وضغطت بقوة والأنين الصادر منها لا يتوقف ثم أستعدت للنهوض وهمت أن تقف فلاحظت وجود تكتل من الدم في عينها اليمني ،، فضلت أن لا أخبرها به ،، إنه ليس خطير ،، لقد كان قريبا لي يتألم بأسنانه هكذا ومن فرط الضغط علي العين والرأس انفجرت ملتحمة العين، ، نعم إنها الملتحمة لانها كانت سليمة العين قبل لحظات !!
نظرت حوالي باحثا عن حميدة حتي تسندها معي فلم أجدها ،، أين هي ،، هل تبخرت ؟! ،،
- الولية دي راحت فين تكونشي دخلت صندوق زبالة تاكل منه او تنام فيه
= ولية مين ؟!
- حميدة
= حميدة مين ،، انت مكانش معاك حد
- لا كان معايا واحدة،، كانت معايا من شوية
- يمكن
اخذت تسترد قوتها ،، تمشي بصعوبة بالغة تجر قدميها بكل إصرار فتصدر صوتا يسمعه الذي في الشارع الأخر، ، كادت أن تقع تشبثت بالجاكيت فسقط الزرار اليتيم الذي كان يداري اسمالي البالية
- اه مش قادرة
= طيب استريحي شوية
في تلك اللحظة لمحت دكان عطار فقررت أن أمر إلي الناحية الأخري وأشتري لها " قرنفل " ،، ان القرنفل له مفعول السحر في تسكين ألم الأسنان وله فوائد أخري عديدة نحن لا نعلم إلا القليل منها هكذا قالت لي جدتي عندما كانت علي قيد الحياة .
مقولتليش إسمك ايه ؟
اخذت تحسن من هندامها ،، إنها شديدة العناية به حتي وهي تتألم
- هالة ،، انسة هالة
= طبعا انسة وست الانسات كمان ،، عاشت الاسامي ،، هجيب حاجة من العطار ده وأشار بيده إلي الدكان
- فأستوقفتني قائلة علشاني؟ طب استني خد فلوس
وضعت يدها في جيب معطفها ،، أظهرت ورقة من فئة المائتي جنيه ،،
- اتفضل
= لا انا معايا فكة
- ماشي
أحضرت القرنفل ،، كان سعره زهيد جدا ،، وضعته في فمها ،، جهدت تمضغه مضغا ،، بعد دقائق تحسنت نوعا ما ،، يا للإنسان ،، إنه ضعيف ،، أضعف من ورقة السيجارة ،، ولكن الألم مفيد ،، يعطي الدروس والعبر لمن يعتبر ،، ربما لو لديها خادمة في مهد الطفولة تصبحها بعلقة وتمسيها بأخري لعادت إليها بعد الدرس اليوم تعاملها معاملة حسنة .. إنها هالة ،، هالة المريضة والهالة الحمراء التي أسفل عين حميدة وهالة التي في الشركة ،، إن هالة التي في الشركة ستدخل الجنة لا شك ان في رصيدها الكثير من الحسنات ،، لا يوجد موظف في الشركة الا وخاض في عرضها ورماها بأبشع التهم والإفتراءات ،، مر أسبوع واحد علي وجودي هنا وسمعت عنها حكايات لو كانت هذه الهالة عاهرة بنت عاهرة تحترف البغاء منذ قرن كامل ما قدرت علي فعل القصص التي يقصها هؤلاء القصاصون .. اه ان الله حليم ستار ،، ربنا يهدي العاصي
قطعت تفكيري سيارة تاكسي كانت قد استوقفتها هالة ،، عرضت علي الركوب معها ،، وافقت علي الفور ،، سألتني هالة إلي أين انت ذاهب فأجبتها رمسيس ،، ركبنا السيارة وإذا بحميدة جالسة بجوار السائق ،، طعنته في كليته بسكين كان في يدها اليسري ،، دفعته إلي الخارج ثم وثبت جالسة علي عجلة القيادة في حركة واحدة ،، إنها تقود بجنون ،، تكنس كل ما أمامها إلي اليمين مرة إلي اليسار مرة ،، أليس في الشارع رجل رشيد يستوقف هذه المجنونة ،، أصيح قائلا الحقونا يا ناس ،، هالة تصرخ ولكن هيهات ،، ألتفتت حميدة وقد تضخم جسدها وسقط شعرها،، هالة فتحت باب السيارة والقت بنفسها فتمزقت امامي علي الارض ،، حميدة تشدني من ثيابي تجذبني اليها ،، تلعق وجههي بلسانها القاسي الممتلئ بالشقوق، ، لعابها الكريه غطي وجهي كله ،، تحملق بعينها الأكثر حمارا في هذه اللحظة وكأنها تقول لي أتقرف مني ؟ وايضا لم تسمع كلامي ! ،، هل نفعتك الأن العاهرة ؟ ،، إنها أشلاء ،، أشلاء يا صابر ،، لا أعلم من أي رحم ساذج خرجت أنت ! ستندم ندما شديدا أيها الأحمق ،، أنقلبت السيارة ولا زلت أصيح وأصرخ حتي
شعرت بأحدهم يلطمني علي وجهي .
حميدة مين يا حبيبي انت مراتك اسمها حميدة ؟! ،، انت حالتك صعبة خالص، ، انت بتتخانق مع الرصيف ؟!
إنه عامل النظافة الذي قابلني في أول الليل ،، إن كل ما حدث كانت تخاريف حشاش مبتدئ تخاريف في تخاريف ،، أو جاثوم طويل نوعا ما ،، تحسست وجهي أتاكد أنه خالي من لعاب حميدة ،،لقد بدأت التخاريف عندما دفنت رأسي في الأرض ،، أي أنه لا ضابط ولا لجنة ولا حميدة ولا هالة ! ،، قبلت يدي وجها وظهرا ثم نظرت إلي الرجل بتعجب
- ايه اللي جابك هنا
= انا كنت مروح لقيتك بتنازع واللي وقفني كمان الحاجة دي وقعت منك
- ايه ده الباور بانك بتاعي
ازاي مكتشفتش انه معايا وكل شوية أتأكد ان حاجتي كلها معايا
= ده كان هيوديني في داهية ،، ظابط وقفني شافه معايا كان فاكره قنبلة 
" نهضت في فرح " 
- ههههههههههه هو شكله غريب فعلا 
- طيب انت هتروح فين دلوقتي
= محطة القطر ،، مروح بلدنا ،، حتي الهلاهيل بتاعتي مش عاوزها، ،هنا مش مكاني انا مكاني هناك في البلد ،، السكون ،، الزرع ،، البساطة غير كده مقدرش علي اي حاجة
- طيب تعالي اوصلك يا طيب
= يلا بينا .. بس يارب متطلعش وهم زي هالة وحميدة
تعالت ضحكاتنا ثم اختفت تدريجيا حيث طلع النهار و سطعت الشمس وانتشر الناس في الشارع وعدت إلي بلدتي مستقلا القطار ،، تلك هي حكايتي مع وسط البلد وليس وسط فقط كما يقولها بعض شباب اليوم .


الإبتساماتإخفاء