خمسة وأربعين قناعاً لشخصية واحدة - قراءة في مجموعة (عذراء الليل)



خمسة وأربعين قناعاً لشخصية واحدة
قراءة في مجموعة (عذراء الليل)
للقاصة د. نهلة جمال

بقلم: إيمان الزيات
عضو اتحاد النقاد العرب.
محاضر مركزي بالهيئة العامة لقصور الثقافة.


"الستر أنشودة نساء الحي ، وأكذوبة رجاله"
ربما تكون تلك الجملة التى تضمنتها القصة الأولى من مجموعة (عذراء الليل) للقاصة د. نهلة جمال هي الفكرة المحورية والإيدولوجية الرئيسية التى تحلق في فضاءاتها قصص المجموعة الوامض منها كما صنفته الكاتبة والقصير.

تلك المجموعة التى تتملك المرأة زمامها وتحتل المركز فيها وتشكل الشخصية المبئرة التى تدور حولها الأحداث وتؤثر في الآخر أو الآخرين وتتأثر بهم، والتى ارتدت خمسة وأربعين قناعاً متغير الملامح في خمس وأربعين قصة وحالة. 

حيث تتحرك الشخصية النسوية في فضاءات متنوعة من الأزمات وتصطدم بعوائق القهر والتشييء وكبت الملكات ونهر الأنثوي الذي تمثله.

فنجدها تعاني من (الحرمان من التعليم من أجل الزواج بتاجر، تعيش واقع بلا حبيب، وتتعايش مع زوج اعتباري، تتحول لتمثال للحسن المقيد في بيت مهجور، ...الخ).

الرجل أيضا غير آمن من الإحباط في هذه المجموعة ففي قصة (حياة بلا حكايات) تحبطه البطلة الهاربة من فخ أحلامه الوردي الطامح في حكاية معها ولكنها على ما يبدو كانت قد أغلقت دفتر حكاياتها إلى الأبد ولن تكون هناك أي قوة قادرة على فتحه من جديد؛ فالبيت للإيجار وياسمين الشرفة ذابل لا أمل فيه. جميعها مفردات توحي بقصة غير مكتملة أو علاقة تبدو كنبتة برية تنمو في قلب طرف وحيد.

وتمتد تلك الحالة على طول المتن القصصي؛ فالعلاقات في خريف عمرها، والحياة الزوجية الروتينية أتت على الأخضر واليابس فيما يخص مشاعر الزوجة تجاه زوجها.

 وهنا ترتفع الأصوات إلى أبعد من الصوت الأحادي للأنثى أو الثنائي للذكر والأنثى معها بوجود صوت الأطفال الذي ملأ القصة صخباً وحركة متماهية مع حياتهم كأسرة.

تتقلب أحوال البطلات كتقلب فصول العام الواحد ما بين صقيعوتجمد وذبول وجفاف وعواصف  أما الربيع فتمتنع تمظهراته في حياة البطلات.

لم تدخر القاصة جهداً في التعبير عن فكرتها بشتى وسائل الحكي المتاحة والمتناسبة مع قصصها فنجدها تلجأ إلى السرد الخالص لتطلق العنان للمخيلة بالوصف، أو تمزج السرد بالحوار لتولد الحقائق، كما انتشرت المنولوجات الذاتية في قصص المجموعة متماهية مع الحالة النفسية وأسلوب التداعي الحر الذي انتهجته القاصة.

لعبت القاصة في المجمل على تيمة (الرمز)، و(المعادل الموضوعي)؛ فالبطلة دائما تدندن بأغنية قديمة، ويرهقها اللحن الروتيني والنغمة الرتيبة المعتادة وجميعها علامات على التكرار السقيم وأن لا جديد في حياة تلك الشخصيات، فكل شيء ممل ومكرور ولا يغلق باب الجزع منه سوى الصبر الجميل.

استخدمت القاصة أيضا مفردة (التجارة) بمدلولها والدال عليها فقالت: (التاجر الثري، التجارة، الصفقة، ... الخ) متماهية بذلك مع معضلة التشييء والنفعية التى تعاني منهما شخوصها.

مثلت الشرفة أيضاً معادلاً موضوعياً للحلم وللصباح وللأمل وللمشاهدة والمراقبة من مكان آمن وحصين. 

ظهرت ملامح شاحبة للحداثة والمفردات المعلوماتية والمشكلات المعاصرة في المجموعة من خلال قصة (في فضاء الفيس بوك).

وعلى العكس من ذلك تمددت وارتسمت بوضوح الكلاسيكية برونقها وجلالها في غير موضع من مواضع المجموعة ومنها على سبيل المثال لا الحصر قصة (فراشة بلا أجنحة).

أظهرت القاصة الخفي المحسوس باستعارة سمات الظاهر الملموس في غير موضع من خلال أسلوب (تراسل الحواس) كي تكمل الحالة النفسية والشعورية وتقربها لذهن القاريء كما هي في مخيلة المؤلف أو كأقرب ما يكون لها فنجدها تقول: (ليكبح عنفوان الثوب، المدينة المزركشة، أبواق لاهثة، فتات أمنياتها) في قصة (بداية الطريق)، (صدوع الضحكات، أجنحة صبري) في قصة (عد)، (الصمت السجين) في قصة (ذبول)، (حمرة الاشتياق) في قصة (عذراء الليل)، (المطر اللذيذ) في قصة (قيد الحسن).

السرد بضمير الغائب(هو أو هي) في معظم النصوص أعطى السارد الرئيس إمكانية التعبير بحرية وبث الأفكار وإبداء الرأي وإصدار الأحكام دون الصاقها بالذات، فهو وسيلة صالحة يتوارى خلفها (السارد) فيمرر ما يشاء من أفكار وآراء دون أن يكون تدخله صارخاً أو مباشراً.

أيضاً يمتاز (ضمير الغائب) بقدرته الفائقة على دفع زمن الحكي إلى الأمام ولكن إنطلاقاً من الماضي. وهي تقنية متناقضة لتلك التى يصنعها ضمير المتكلم الذي اختفى تماماً من المجموعة ككل بعكس ضمير (الغائب) الذي فرض حضورة في مجموعة من القصص كما في  قصة (عد) التى استخدمته فيها القاصة وتحول النص بذلك إلى حوار طويل للآخر أو رسالة طويلة موجهة له، وتحول به النص مرة أخرى إلى منولوج طويل في قصة (في فضاء الفيس بوك).

ويعزز (ضمير المخاطب) قدرة القاريء على الدخول السلس إلى النص ويربطع بعلاقة ما مع السارد، فضمير المخاطب (أنت، أنتِ) ممثل عن المتلقي.

يجعل الحدث السردي يندفع جملة واحدة لتجنب انقطاع الوعي به، كما يتيح وصف الوعي في حالة كينونته من قبل الشخصية نفسها.

تنفصل الساردة عن الحدث لتجلس على كرسي المشاهد جنباً إلى جنب مع المتلقي في تقنية جيدة بقصة (زحام).

أما عن هوامش النص فبالنظر إلى هوامشه وعتباته، وبدءاً من عتبة الولوج الأولى إليه (العنوان الرئيس) تصدر لنا القاصة د. نهلة جمال فكرتها وتمهد لنا الطريق للدخول الآمن في المتن (عذراء الليل) عنوان ذو شقين أحدهما نكرة غير معرف أفاد العموم والشمول وهو يرمز بذلك لكل أنثى بتول سواء كانت عذراء أو ثيب بالهجر و الوحدة و عدم الزواج أو بالزواج غير المتكافيء، والشق الثاني من العنوان دالة زمنية محددة ومعرفة وباجتماعهما معاً - شقي العنوان الرئيس - يحققان فكرة الوحدة والظلمة والسهد أو السهر الطويل.

وبالعودة لاسكمال الهوامش النصية يأتينا الإهداء ملمحاً لذلك التوازن الذي تسعى القاصة إلى تحقيقه في قولها "إلى كل من أتقن معادلة الحياة فأسعد وسعد".

وكأن الحياة أخذ وعطاء فلا جور فيها بالأخذ المستمر أو العطاء الدائم فلابد لكفتي الميزان أن تستقيما بهذا التوازن وإلا طاشت احداهما مضيعة معها الطرف الآخر.

أما عن مسألة تقسيم المجموعة لقسمين (قصة قصيرة، وقصص قصيرة جداً) فمن حيث المبدأ لا يفضل الكثيرين طريقة التجميع الإبداعي تلك؛ إذ أن لكل جنس أدبي منهما جمهوره الخاص، وسماته المميزة وملامحه العامة والتى لم أجدها في مجموعة (عذراء الليل) فقد بدت لي جميع نصوصها وقد تموضعت تحت مظلة (القصة القصيرة) فلغة القصة القصيرة جداً شديدة الاختزال والتكثيف، لغة برقية، رامزة ذات محمولات ومرام تقع في الغالب خلف النص المكتوب أي في منطقة (الميتاسرد) وهي في ثيمتها تلك تختلف عن القصة القصيرة التى تعطي إشباعاً وصفياً ومساحة أكبر بلغتها الجزلة.

كما أن طريقة عرض الفكرة من وجهة نظر أحادية هي وجهة نظر الراوية مع اختفاء صوت الرجل أو الطرف الآخر في المعادلة خلق عوراً في المجموعة وجعلها تميل للانحياز وعدم التوازن في عرض المؤلف لموضوعاته، كما أن الشخوص الأخرى كانوا مجموعة من الشخصيات المهمة التى تظهر خافتة في خلفية القصص على الرغم من أن تأثراتها على الشخصيات الرئيسية كانت قوية ولها تبعات.

يقول د. عبد الملك مرتاض:


(إن اللغة هي سيدة المواد السردية على الاطلاق)، وفي هذا الصدد سيلمس القاريء لمجموعة (عذراء الليل) مدى قدرة القاصة على انتاج الجمل وترتيبها ترتيباً يخدم الفكرة وهو ما نسمية (القدرة الجملية)، وبصفة عامة فإن المجموعة تشي بقاصة واعية ممتلكة للغتها وتستطيع التعبير عن فكرتها بشكل واضح وصريح ودقيق في آن.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء