الرد على من أباح للمسلمة التزوج من غير المسلم (1)



الرد على من أباح للمسلمة التزوج من غير المسلم (1)

بقلم  الباحث/ محمد سعيد أبوالنصر

1-الرئيس التونسي ودار إفتائه تسمح للتونسيات بالزواج من غير المسلمين.

خطب الرئيس الباجي قايد السبسي خلال كلمته التي ألقاها في مناسبة العيد الوطني للمرأة التونسية وطالب بالسماح للتونسيات بالزواج من الأجانب الذين يكونون على غير دين الإسلام، الأمر الذي أصاب الجميع بالذهول وأحدث ضجه كبيرة بالشوارع التونسية والعالم العربي الإسلامي !!!، ومما زاد الطين بلة أن أصدرت دار الإفتاء التونسية بيانًا جاء فيه تأييد خطاب الرئيس الباجي قايد السبسي وقالوا: إن اقتراحات الرئيس الباجي يُعطي للمرأة حقها الطبيعي في المجتمع والتي قد سبق ونادى بها ديننا الإسلامي في قوله تعالى { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)} [البقرة: 228] فهل هذا صحيح من ناحية الإسلام والشريعة ..أم أنها أهواء لأصحابها والإسلام بَرِيءٌ من هذه الأفكار الضالة...

علينا أن نقرر أن ما ذكره الرئيس التونسي خطيئة دينية كبرى وأمر مرفوض كلية في الإسلام وأن أي دعوى أو مقترح يتناقض مع حكم الإسلام في الميراث أو غيره من الأحكام الثابتة بالنصوص القطعية، دعاوى باطلة ولا تستقيم شرعاً ومنطقاً.

ولا يوجد عالم واحد من علماء الإسلام قال بمثل قوله ولا بمثل رأي دار إفتائه ..عبر التاريخ الإسلامي ، وأن الأحكام الشرعية ثابتة بالنصوص القطعية، التي لا تأويل فيها ولا اختلاف في فهمها وأن ما جاء به الرئيس يعد خروجًا عن نص القرآن والسنة وإجماع الأمة في الماضي والحاضر وهذا ما نناقشه على هذه الصفحات .

أ-الأدلة من القرآن على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم .

1-قال الله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة:221]،

إن الزواج اختلاط روحي، وشركة أدبية، وتعاون دائم على قطع لأواء هذه الحياة وشدتها، ولذا حض الإسلام على اختيار الزوج للمرأة المسلمة التي تستطيع أن تحقق مراد الشرع من الزواج ،وحرم عليها الاقتران بالزوج غير المسلم وأكد الإسلام على الابتعاد عن المشركين .. فمَنْ هم المشركون الذين يجب على المرأة المسلمة أن تبتعد عنهم ولا تتزوجهم ؟

معنى المشركين:

المشركون :" هم عبدة الأوثان، وأصله من الإشراك، وأصل كلمة أشركته بمعنى جعلت الشيء بينه وبين غيره شركة، والشركة كما تكون في الحسيات والأشياء، تكون في المعاني ومن هذا الباب أطلقت كلمة " إشراك " على عبادة غير الله معه؛ لأن من فعل ذلك فقد أشرك مع الله غيره في العبادة والتقديس والألوهية.

وقيل :"المراد من المشركين هنا: الكفار مطلقًا، سواءُ أكانوا يعبدون غير الله، أم من أهل الكتاب، أم لا يدينون بدين. والآية تحرم تزويج المؤمنات - سواءٌ كن حرائر أو إماء - بكفار، على أي دين كانوا. فلا ينعقد زواج المؤمنة من: كتابي، أو مشرك، أو معطل. قال تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} الممتحنة: 10 ]

قال الإمام الطبري : ""إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْمُؤْمِنَاتِ أَنْ يَنْكِحْنَ مُشْرِكًا، كَائِنًا مَنْ كَانَ الْمُشْرِكُ مِنْ أَيِّ أَصْنَافِ الشِّرْكِ كَانَ فَلَا تُنْكِحُوهُنَّ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، وَلَأَنْ تُزَوِّجُوهُنَّ مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ مُصَدِّقٍ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تُزَوِّجُوهُنَّ مِنْ حُرٍّ مُشْرِكٍ وَلَوْ شَرُفَ نَسَبُهُ وَكَرُمَ أَصْلُهُ"

وقَالَ الإمام الْقُرْطُبِيُّ: " وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ لَا يَطَأُ الْمُؤْمِنَةَ بِوَجْهٍ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَضَاضَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ.

وقال الرازي: "المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة"

وقال الشوكاني قوله {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ} أَيْ: لَا تُزَوِّجُوهُمْ بِالْمُؤْمِنَاتِ حَتَّى يُؤْمِنُوا "أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك (حَتَّى يُؤْمِنُوا) فَيَصِيرُوا أَكْفَاءَ لَهُنَّ وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام". (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ) أَيْ: وَلَمَمْلُوكٌ مُؤْمِنٌ مع ما به من الذلة والمهانة خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ حُرٍّ عزيز الجانب مهيب في أعين الناس. (وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) "وقصارى ما تقدم- إنه لا يجوز لنا أن نتصل بالمشركين برابطة الصهر لا بتزويجهم ولا بالتزوّج منهم، إذ المرأة موضع ثقة الرجل، يأمنها على نفسه وولده ومتاعه، وما كان الجمال وحده ليحقق في المرأة هذا الوصف، فالمشركة لا دين لها يحرّم عليها الخيانة ويأمرها بالخير وينهاها عن الشر، فقد تخون زوجها وتفسد عقيدة ولدها. وقد بين علة النهي عن مناكحة المشركين والمشركات بقوله: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (221) } [البقرة: 221] أي إن هؤلاء المشركين والمشركات من دأبهم أن يدعو إلى كل ما يكون سببا في دخول النار من الأقوال والأفعال- وصلة الزوجية من أقوى العوامل في تأثير هذه الدعوة في النفوس، إذ من شأنها أن يتسامح معها في أمور كثيرة، فربما سري شيء من عقائد الشرك للمؤمن أو المؤمنة بضروب من الشبه والتضليل، فالمشركون عبدوا غير الله لكنهم لم يسموا عملهم عبادة، بل أطلقوا عليه الاستشفاع والتوسل، واتخذوا غير الله ربّا وإلها وسمّوه وسيلة وشفيعا، ظنا منهم أن تسمية الشيء بغير اسمه يخرجه عن حقيقته كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) } [يونس: 18، 19] وإذا كانت مساكنة المشركين مع الكراهة والنفور قد أفسدت الأديان، فكيف بهم إذا اتّخذوا أزواجا، ألا يكون في ذلك الدعوة إلى النار، والسبب في الشقاء والدمار؟

وقول {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (221) } [البقرة: 221] أي أن أولئك المشركين والمشركات إذا كان فيهم ما يستهوي الراغب في الزواج منهم من نسب رفيع، وجاه عريض، ومال وفير، وجمال ومنصب، فهم بهذه الأوصاف الدنيوية التي تستهوي النفوس الضعيفة إذا كان معها الشرك بالله وعبادة الأوثان، يدعون إلى الإقدام على أسباب النار في الآخرة والعذاب الأليم فيها، فإن الاستهواء المادي للنفس الضعيفة، والخلطة المستمرة بين الزوجين، والاتصال الدائم بينهما، كما قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] إن هذه الأمور كلها من شأنها أن تسهل قبول المسلم أو المسلمة لما عليه المشرك من عادات جاهلية، وأخلاق وثنية؛ تبتدئ تلك المفاسد بالسريان إلى النفس بالسكوت عنها، ثم بالرضا عن فاعلها، ثم باستحسانها؛ وأول الشر استحسانه، وبذلك تنحل عُرى الإسلام في نفس المسلم عروة عروة ، حتى لَا يبقى من الإسلام إلا الاسم والرسم؛ وهما لا يغنيان عن حقيقته شيئا!. وكلما كانت عوامل الإعجاب أكثر، كانت عوامل التأثير والدعوة أشد وأقوى؛ فإذا كانت مسلمة تحت سلطان رجل مشرك له فضل سطوة وجاه ومال وقوة ونسب وله جمال وهمة وإقدام، فإن تلك العوامل كلها تؤثر في نفسها شيئا فشيئا حتى تخرجها من الإسلام خطوة بعد خطوة وتكون خارجة عنه وهي لَا تحس ولا تشعر.

وكذلك إذا كان الرجل المسلم قد تزوج مشركة حسناء لها منصب ومال ونسب، ولطف مودة وحسن مدخل، فإنها كلما قويت عوامل التأثير عندها، ضعف مقدارها من خلق الإسلام عنده، حتى يستحسن ما تستحسن؛ ويستهجن ما تستهجن؛ ولا دعوة إلى النار أقوى من هذا! وليس المراد بالدعوة القول والنداء إلى ما يدخل النار؛ بل المعنى أن المودة والإغراء ولطف المدخل والاستيلاء النفسي؛ كل هذا من شأنه أن يؤثر، فيكون كالدعوة إلى الشرك والنار بالقول، بل أقوى تأثيرا.

وقوله {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} أي إن دعوة الله التي عليها المؤمنون توصل إلى الجنة والمغفرة بإذنه وتوفيقه، فهي بالضد من دعوة المشركين التي توصل إلى النار، لسوء اختيارهم وقبح تصرفهم في كسبهم، وما عليه المؤمنون هو الذي هدت إليه الفطرة، وبلّغه عنه رسله بإذنه، وأرشدوا إليه خلقه.ثم امتنّ عز اسمه على عباده ببيان هذه الأحكام فقال:{ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي ويوضح الأدلة على أحكام شريعته للناس، فلا يذكر لهم حكما إلا إذا بيّن لهم حكمته وأرشدهم إلى فائدته، والسرّ في تشريعه لعلهم بهذا يعتبرون، فإن الأحكام إذا ذكرت بعللها وأدلتها طبعت في النفوس وتقبلتها على الوجه المرضي، ولم تكن صورا ورسوما تؤدى دون أن تحصل الغاية منها، وهي الإخبات إلى الله، وتهذيب الأرواح وتنقيتها من أدران الذنوب وأكدار المعاصي.

2-وقال تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة:10]

هذه الآية والآيات التي بعدها، تبيّن حكم ما يقع بين المسلمين والمشركين من أمور تتصل بتنفيذ صلح الحديبية الذي عقده النبي معهم.. فهذا الصلح قد قضى بأنه إذا جاء إلى المسلمين من أسلم من المشركين، ردّه المسلمون إليهم، ومن جاء إلى المشركين من عاد إلى الشرك لم يرده المشركون إليهم.. وقد قبل النبي هذا الشرط، لأن من دخل في الإسلام، إنما دخل بعد ابتلاء وتمحيص، فهو حيث كان، في حصانة من أن تغيره الأحوال والأحداث.. وأما من كان مؤمنا، ثم عاد إلى الكفر، فإن الإمساك به في مجتمع المؤمنين بعد هذا، إنما هو تمسك بعضو فاسد في جسد سليم.. وهذا الشرط خاص بالرجال دون النساء. وقد كان من مقتضى هذا، أن تكون بين المؤمنين والمشركين شبه صلة في حدود تنفيذ أحكام هذا الصلح، بعد أن دعا الإسلام المؤمنين إلى قطع كل ولاء بينهم وبين هؤلاء المشركين. وفى هذه الآية الكريمة، بيان لحكم من جاء من مجتمع المشركين من النساء، مؤمنات مهاجرات.. فهذا الحكم يقضي بأن يمتحن المؤمنون هؤلاء المؤمنات في إيمانهن، حتى يتبين لهم صدق إيمانهن، وأنهن إنما هاجرن فرارا بدينهن من أن يفتّن فيه، لا فرارا من زوج، ولا رغبة في زواج، ولا طمعا في مأرب من مآرب الحياة.. فإذا تبين أنهن على الإيمان.. كان على المؤمنين أن يؤووهن إليهم، وأن يمسكوا بهن في مجتمع المؤمنين، وألّا يرجعوهن إلى الكفار.. وذلك لأمرين:

أولهما. أن النساء لم يدخلن في الشرط الذي اشترط فيه المشركون على المسلمين أن يردوا إليهم من أتاهم مؤمنا من المشركين.. فهذا شرط خاص بالرجال، دون النساء..

وثانيهما: أن النساء لا يصبرن طويلا على موقع الفتنة من المشركين، ولا يحتملن ما يحتمل الرجال من بلاء في سبيل العقيدة التي يعتقدونها، إنهن أسرع تحولا، وأقل ثباتا وصبرا من الرجال، وإن كان في بعض النساء ما لأقوى الرجال من عزيمة وثبات، إلا أن النساء في مجموعهن دون الرجال في هذا المقام..

وقوله تعالى (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) أي فإن غلب على ظنكم إيمانهن بالحلف وغيره مما يورث اطمئنان قلوبكم على إسلامهن، فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين. ثم بيّن العلة في النهي عن إرجاعهن بقوله:{ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ} أي لا المؤمنات حلّ للكفار، ولا الكفار يحلون للمؤمنات.والتكرير في قوله تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} للتأكيد والمبالغة بالحرمة وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك. "والآية صريحة في أن زواج المسلمة بالكافر لا يحل، وإن كانت زوجته وأسلمت دونه انتهت الزوجية وصارت لَا تحل له، ولا يحل لها. {وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا} أي وأعطوا أزواجهن مثل ما أنفقوا من المهور. والله قد أمر أن يعطي الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية ،يقول ابن كثير "هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي حَرَّمَتِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ كَانَ جَائِزًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُشْرِكُ الْمُؤْمِنَةَ، وَلِهَذَا كَانَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ زَوْجُ ابْنَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عنها، قد كَانَتْ مُسْلِمَةً وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ بَعَثَتِ امْرَأَتُهُ زَيْنَبُ فِي فِدَائِهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ لِأُمِّهَا خَدِيجَةَ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: «إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا فَافْعَلُوا» فَفَعَلُوا فَأَطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ ابْنَتَهُ إِلَيْهِ، فَوَفَّى لَهُ بِذَلِكَ وَصَدَقَهُ فِيمَا وَعَدَهُ وَبَعَثَهَا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَقَامَتْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ بَعْدِ وَقْعَةِ بَدْرٍ.

وَكَانَتْ سنة اثنتين إلى أن أسلم زوجها أبو الْعَاصُ بْنُ الرَّبِيعِ سَنَةَ ثَمَانٍ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ لَهَا صَدَاقًا.كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَتْ هِجْرَتُهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ بِسِتِّ سِنِينَ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا

، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِسَنَتَيْنِ

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ وَلَا نَعْرِفُ وَجْهَ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَعَلَّهُ جَاءَ مَنْ حِفْظِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَسَمِعْتُ عَبْدَ بْنَ حُمَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَذْكُرُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ وَحَدِيثَ ابْنِ الْحَجَّاجِ يَعْنِي ابْنَ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ، فَقَالَ يَزِيدُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، ثم قُلْتُ وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَة وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَضِيَّةَ عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا مِنْهُ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا مَتَى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ وَلَمْ يُسْلِمِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا مِنْهُ. وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ إِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ هِيَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَتْ أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فَسَخَتْهُ وَذَهَبَتْ فَتَزَوَّجَتْ وَحَمَلُوا عَلَيْهِ حَدِيثَ ابْنِ عباس. وللحديث بقية


الإبتساماتإخفاء