دعاء بركات - م. مسجد




م . مسجد
  
 دعاء بركات

كنت أتيه في الشوارع أبحث عنك . و الذئاب تركض خلفي مشهرة أنيابها  
صليت فى مسجد المدينة . صليت في بيتك يارب  
غفرانك إن أقتربت من بيتك لأول مرة وأنا في الرابعة عشر .. تأخرت ، لكنهم كانوا مشكلين دائرة حولي تمنعني من أختراقها والإقتراب منك .  
أغفر لي أيضاً تلك الرجفة التي سرت في جسدي حين خطيت  بيتك ، كانت المرة الأولى ، وكنت أطبق يدي الباردة بالأخرى لمحاولة استجلاب الدفء . الجدران متصدعة ورطبة وثمة رائحة عطنة تنبعث من الأرض ، على مابدا أن الشمس لا تزور المسجد فى النهار كثيراً لغمره بضوئها .  
ولماذا أيتها الشمس .. هل عرضتِ عن درب الله أم أنك تزورين مساجد أخرى ؟  
جلابيب بيضاء تجاورها جلابيب رمادية ، أطمئننت قليلاً فور أن لمحت اللون السائد . لكن سرعان ماعاودتني الرجفة فور رؤية الوجوه .  
يبتسمون يارب . كانوا يبتسمون ، ولي أنا ويحدقون في وجهي . رأيتني قريبة منهم جداً . بل كانوا محيطين بي .. أبحث عن الذي أتى بي الى هنا ، وعن كل هذه اللحى الطويلة التي لم تخبيء خبث الوجوه .. وثعلبة البسمات .. وتحديق الأعين الذي صعد ونزل بجسدي حتى أنهكه برداً .. برداً لم يكن معه أي سلام .  
إقترب مني أحدهم ، أكثر من قربه ، وقف ليحدق بي قليلاً وتلك البسمة الصامته على وجهه ثم أشار الي أن اتبعه .. ولاحت لي لا فتة صغيرة كتب عليها (مصلى السيدات  ) .  
لم تنتابني تلك الرعشة ولم تكن يداي على برودتهما السابقتين ، يا مصلى النساء .. أخيراً ! لم أكن رغم ذلك اعلم يا إلهى لماذا لمْ أستطع رفع عيناي عن الأرض إلا بعد بضعة دقائق . القيت نظره سريعة جداً وجلست في أبعد زاوية منكمشة على أعضائي.  
حاولت تجاهل إلتقاء عيناي بأعين المحيطات بي وانتظرت الصلاة . ها هو المنادي ينادي . سأصلي فى مسجدك يا إلهي أنت بداخلي ، وبوجداني وفي قلبي فاقبلني إذن يا خالقي وأحبني .. فلا غاية لي سوى هذا الحب  .  
صليت في مسجد المدينة . صليت في بيتك يارب  .  
كن سمينات  يتناثرن بجانب الجدران وهن يعلفن أطفالهن الرضع . بينما الأطفال الأكبر سناً يلهون بأي شكل فى المسجد وصوت ضحكاتهم وصرخاتهم يرتفع بينما ينخفض صوت المصلون  .  
في مصلى السيدات نصطف بجوار بعضنا بعضاً ..فيزداد تحديقهن بي ،  أتجرأ وأرفع عيني فى أعينهن لأرى ما سبب كل ذلك التحديق ، فأرى البسمات الثعلبية التي كان ينظر إلي بها الرجال قد حل محلها نظرات حاقدة تكتم غضباً وكراهية لم أدري ما الدافع لها .  

لماذا يارب ؟ ... لماذا كن ينظرن إلي هكذا ؟!  

سامحني وأغفر ذنبي .. إن آتيت الي بيتك دون غطاء لشعري ، فقد أزعجتهن جديلتي السوداء الملقاه خلفي ، وهائنذا أقسم لك بك .. انني لم أكن أعلم ، لم أكن أعلم يارب .   
حاولت الإصطفاف بجوارهن للصلاة منعنني . ورأيت أعين أحداهن من خلف سترة وجهها السوداء تقذف علي شراً وبغضاً وكراهية أخافتني .. بل عادت الرعشة الى  يدي وأزداد انكماش جسدي وفشلت قدماي في الركض مسرعة الى الخارج حين سمعت صاحبة الثوب الأسود تطلب مني الإنتظار حتى ينهين صلاتهن .. وألا أصلي معهن !  
انا أبكي الآن ياربي وانا أسرد اليك ماحدث . كنت خائفة فزعة ، كنت أود أن لا تنتهي الصلاة أبداً .. حتى لا أواجه تلك السيدة . عيناها كانتا مخيفتان جداً .. أو هكذا بديا لي لأنها غاضبة مني ، لِماذا كانت غاضبة يارب ولِماذا كنّ غاضبات .. فلم أؤذيهن أو أرتكب شراً منذ جئت . أتفعل جديلتي  كل ذلك !  
التشهّد الأخير .. أقتربن من إنهاء الصلاة .أرتجف وأرتجف حتى تفشل قدماي في حملي فأسقط وأراهن ينتصبن واقفات في استعداد لمحاكمتى ، لا جلابيب بيضاء أو رمادية حتى فالسواد هو المكتسح .  
أشعر أنني سأسقط فأتذكر أنني قد سقطت بالفعل منذ دقائق وأراقبهن من الأسفل . كن عاليات وكثيرات وقويات .. وسوداوات .  
صليت فى مسجد المدينة ، صليت فى بيتك يارب .  
فلماذا كان الإستقبال هكذا  ؟! سمعت من تلك المتوعدة عيناها كلمات كثيرة وانا جاثية على الأرض . إلتففن مشكّلات دائرة حولي ونصبن المحكمة  .ونفس النظرات  الكارهة فى عيون أغلبهن ، ها أنا فى منتصف الدائرة أنكمش أكثر وأكثر كفأر تحيط به ألسنة الأفاعي .  
ياربي .. ما ذا كن يقصدن بكلمة "سافرة " ، ما معنى كلمة "عاهرة " و ماذا فعلت خطأً كي أصبح "فاسقة"  رددن إلي تلك الكلمات بأصوات عالية وغاضبة ومخيفة  . وضعت نفحة بسيطة من عطر لا يدوم ولم يكن في نواياي شراً . فكيف يكرهونني لإشتمام العطِر فيّ ؟! لم يخبرني أحد قبل ذلك أنه يثير الغضب أو يبعث أي أذى .. إلهي أخبرني ماذا يحدث ... ولِماذا يحدث ؟!   
كنت بين جبل من ألبسة سوداء تخفي تحتها أجساد سمينة وضخمة ، للحظات أعتقدت ان تلك الدائرة التي أجلس فى منتصفها لن تنفتح أبداً وأنه قد كُتب عليّ الموت تحت أقدامهن .. أدير بصري فى عيونهن ثم يسيل الدمع منيّ .. كنت خائفة ، جداً جداً .   
لم أجب على أيّ منهن .. فقد كن يلقين إلي بأسئلة كثيرة ، كانت تبدأ أغلبها ب "كيف تجروئين على .. "  على ماذا إجترأت ياربي .. كانت نيتي لقاؤك فى بيت من بيوتك ، كان علمي أنك تنتظرني هناك .. فلماذا أرسلت إلي بهؤلاء ؟! 

  لا بياض الجلابيب كان مطمئناً ولا سوادها كان رحيماً .  

من بين السواد لمحت عيناً كانت تنظر بحياد ، بها بعض من رحمة .. عاودني أمل من جديد ، ظللت محدقة بها بأعين ترجوا  الترفق بي ، سمعتها تتحدث في عقل مرددة عبارات تخصني ، إنها تتحدث عني ،  لاتزال طفلة - لابد وأنها لا تعلم - أين الحُلم - رفقاً بها .  
كانت تطلب منهن أن يترفقن بي يا إلهي .. كانت أملي الوحيد . كقطة صغيرة وجدت من يرمي إليها بفتات طعام فالتصقت به وقررت ألا تتركه . فرحت وشعرت ببعض من قوة .. تماسكت ونهضت واقفة فوجدتها قد حملت حقيبتها وتوجهت الى خارج المسجد ... نعم هي ، غطّت وجهها وحملت حقيبتها وهاهى تلوح لي وقد إبتعدت .  

خرجت من بيتك يا الله .. حين أردت أن أخرج أم حين أمرنّني أن أخرج ؟! أينجيني الصدق حين أعترف 
بأنهن قد قلن لي بأن أذهب وألا أعود إلا بعد أن أحترم الله وبيته وألا أتجرأ عليهما من جديد !  
إلهي .. هل إجترأت على بيتك ؟  هل أنتهكت حرمته كما يقلن .. إلهي ودعت الملابس السوداء وخرجت فارة فزعة مرتعشة باكية لأجد نفسي فى ساحة الجلابيب البيضاء واللحى .. والنظرات التي تلتهم مابقي مني . 

ها قد خرجت .. والذئاب تنتظر خارج المسجد وقد أخفت أنيابها وأظهرت زهوراً مؤقتة كفيلة بجذبي ، ها قد خرجت ولم أخرج مثلما دخلت أبداً ، هاهي أبنة الرابعة عشر تتحول الى سيدة ثلاثينية .. ينزف جرحا ما فى داخل صدرها وتؤرقها معارك الدنيا والعباد .   
يا إلهي .. صليت بالأمس فى مسجد المدينة ، صليت فى بيتك  يارب ، فهل أخبرتك أنني لم أصلي ! 
   لازلت أحبك وارجوك .. ولكن أين أنت ولماذا  تختفي ، أناظر أنت أم غافل .. أغاضب أم راض ِ أبعيد ام قريب  أين أبحث عنك بعدما بحثت فى بيتك ولم اجد إلا كل ماوجدت ، حتى الآن لا اعرف ذنبي .. لا أعرف إثمي الذي أقترفته . أستحاسبني على ما أجهله؟ .  
صليت فى مسجد المدينة .. وكان البيت بيتك يارب فلماذا هم يتحدثون بإسمك ؟! ويعاقبون بإسمك .. ويطردون ويرحبون ويبغضون ويكرهون بإسمك !  
خرجت فوجدت الذئاب وقد تلونت .. وتمد أيادٍ بشرية لتصافحني ، وتشدني .. فتنجح .  
ها هو الأمس يمضي .. وعبثاً أحاول نزع الذكرى عن رأسي .. لأنها ألتصقت بروحي كندبة دائمة .  
صليت بالأمس في مسجد المدينة . فى بيت من بيوت الله وقد تأكدت بأنني .. لن أخطوا مسجداً بعد اليوم .  


الإبتساماتإخفاء