جاسم البرعصى - تخاريف راحل {3}



بقلم: جاسم البرعصى

غاصت ذاتى بعيدا فى درب لا رجوع عنه من التأمل استكملت بها جرعاتى الحيويه فى مواجهة الواقع المرير......... ولكن ملامحه التى كانت سببا فى رحلة الغوص وبعد الدرب ربما كانت امر من الواقع ....ازعجنى صرير العجلات عندما اخذت احلل الموضوع من هذا الجانب لقد تعودت اننى اغوص فجأه فى رحلة التأمل ربما ارجع باكرا...... وربما لا ارجع البته....... ولكن هذه المره كانت اسبابى فى الرجوع ملحه .......ذلك لان الوجه الذى تألمت من حركة السياره كثيرا وانا اتأمله على مهل كان ذاته هو سبب استفاقتى..ربما الصدمه فملامح الرجل جذبتنى الى رحلة كئيبه بدلا من ان يتحول غوصى الى روضة مستمتعا برحلتى وراء حدود الواقع المرير......ولكن الرجل كان صدمه حمل وجهه الحقيقة عاريه حقيقة وطن......حقيقة شعب .....خطيئة بشر اخطأوا ولم يتوبوا .......فسار الدرب ابعد مما تخيلوا ......كذلك ملامح كل المصريين صرت اهوى هوايه جديده استحدثتها لنفسى وبات الامر ادمانا رغم كأبته ..... الامر كان مطالعة الوجوه فى رحلة تحليل نفسى ....ثم لم يعد الامر نفسيا كله ......انما تشابكت نفسياته وخلفياته لترسم ملمحا لما يدور حوله ...... منذ ان اهتويت الوجوه عرفت ان الوجه انما هو انعكاسا مباشرا لما يدور حوله..... ودونا عن كل شعوب العالم حملها المصريين ..ذلك الطابع طابع البيئه التى اختلفت بين غنيها وفقيرها......كبيرها وصغيرها فصرنا نهوى الخيال لاننا مللنا رؤية الواقع فى وجوهنا كل يوم .....كل صباح تتكرر المأساه تقف لترى ملامحك باتت اعمق راسمة كل التفاصيل التى اجتهدت ان تخبئها ولكن دون جدوى تصر ملامحك على الفضيحه.....ويبدوا ان وجه الرجل كان يحمل الكثير من الفضائح ذلك لاننى لم اشعر بما حولى حتى انتفضت السياره فوق مطب صناعى يشبه تلة (النهود) بصحراء وادى الحيتان.. التى عشقت الجلوس عليها صغيرا اضافة الى سنوات السياره الاربعين....فتجد الانتفاضه صارت انتكاسه يشتكى لها كل ضلع فى جسدك ويبدو ان وجهى كان فاضحا لالمى ذلك لان الرجل الذى يجلس بجوارى فى ذات الكرسى خلف السائق مباشرة قد تبسم مخففا عن الموقف واملا ان يطفئ السنة الغضب التى سوف يصبها الجالسون فوق رأس السائق فقال......مرحب بيك فى مصر يابيه ......كانت كلمات الرجل صحيحه الا فى كلمة واحده .....هى اننى لست هذا البيه الذى يخاطبه ...اما الباقى فمحقا هو فيه فلن تجد سياره تمتلك اربعون ربيعا تحمل ارواح مواطنين وتتركها اشارات مرور الاستفزاز بكل بساطه فلا يهم حكومتك ان تخفف اعداد سكانها او تقعدهم بالغضروف فى البيت من رحلة التأرجح المرير التى يمرون بها كل يوم......جعلنى اتوكأ مصطنعا ابتسامة بلهاء لا املك غيرها فى كأبة الرحله التى صارت رائحة العرق تطغى فيه على رائحة الجاز الذى تصدره مؤخرة السياره......فهربت من هذا وذاك لادفن راسى من جديد تاركا الجميع يغط فى كأبته ولكنى انتويت ان تكون رحلتى اعمق هذه المره فاكتفيت بمشاهدة السائق وهو يسلك طريقا ترابيا قبل القريه الاثريه التى تسبق حدود المحافظه وعندما استفسر الجالسون عن اسباب شحنة التراب التى سوف تستقبلها صدورهم الان رد الرجل ان لديه الحق........فسيادة امين الشرطه يرابط على الحدود منتظرا للعشرون موصومة بالعربه الحربيه التى طرد بها احمس الهكسوس عدوه بنفس المكان عند حدود المحافظه...ولكن الفارق كان لاحمس السبق بسبعة الاف عام..... فسرد الرجل اوجه حقه ورسم وجهه خيبة اعتدت رأيتها منذ ان اهتويت وجوه القوم... فبادرت الى القفز بعيونى وراء زجاج السياره الذى لا يكف عن هذا الصرير المستفز فيصيبك بصداعا نصفى من الدرجه الاولى ...فتاملت صور المقابر الاثريه التى احتوت على جدود لم يكونوا جدودنا ولم تربطهم بنا صله سوا اننا دمرنا ارضهم ووصمنا حضارتهم عارا بعد ان كانت كفاحا وارتضينا السكوت والصمت ولكن المقابر لم تعد حاملة لشئ سوا الخراب فهاجر مع (حواس) ما هاجر الى متاحف تسرق فى النهايه مثلها مثل السرقات الاولى ولكن الاولى كانت اهون اما الثانيه فهى موجعة ان ترى بنى وطنك يحمون تاريخك وهم زائفون يسرقون الماضى ويدعون اغتصابه... فتحرق كبودنا افعالهم فنحمل لعنات نتمتم بها سرا وجهرا ..ولم نعد نمتلك غيرها تمتمت بلعنتى مصحوبة بغل اعمى ومستديرا بوجهى الى ذات الوجه الذى ارسلنى كل هذه المسافه دون ان يفارق مكانه فى الكرسى المقابل حتى صاح سائقنا العزيز ..حمدالله على السلامه يابهوات ...للمره الثانيه يصبح الخطئ عاما وشموليا فلم نقتنع بعد ان الباكويه الغيت منذ عقود.....ولكنها السنوات تلتصق بالاماكن والحوائط والهواء وتحفر سماتها على الوجوه....اعتلى جبينى عرقا خفيفا فتركت الجميع ينزل اولا ثم بادرت الى باب اليكروباص نازلا بقدم تلتصق بالطريق فى يأس ومخففا اكتئابى بابتسامة بلهاء اخرى الى العبقرى الذى هرب من سيادة الامين رافضا ان يحكى له عن تاريخ العربه الحربيه.....وانتصبت بجسدى حاملا اثقال افكارى لانفضها بعيدا عن اكتافى ومنفضا تراب الياس عن بنطالى وماسحا الماضى بمنديلا ورقى ليلمع سواد الحاضر فى حذاء مبتسما ابتسامة ساخره استطعت بها ان اتغلب على بلاهتى......ودافعا غيوم الحزن بعيدا عن رأسى حتى ان كنت سأستبدلها بسحب الدخان التى تخرج من سيارات القرن الماضى التى امتلأت بها شوارع المدينه .....عندما عبرت الى الجانب الاخر ابطأت حركة قدمى لالتفت متمشيا فى ظل سور الجامعه على مهل لاقف بجوار عم سليم الذى يفترش كتبه منافسا مكتبه مدبولى باسعاره الزهيده ....فيبادرنى محييا بالجمله الملعونه التى تلاحقنى فانا لست بيك ولن اكون......ولكن خفت وطأة الكلمه عندما انتشلتنى دوامة اخرى اغوص فيها بعيدا هذه المره لم تكن الدوامه ذات اسباب سوى ملامح عم سليم نفسه.....استسلمت لرغباتى المكبوته فهوايتى صارت قدرى دون ان اعترض وعقلى الباطن يسخر منى ضاحكا على اوهامى... لأعود الى الحانى المألوفه اسرق انغامها قبل ان تختنق على ايدى الاعوام ...