دعاء تليمة - عائد



دعاء تليمة 


امتلأت الطرقات بصيحات الانتصار، وازدانت الشرفات بزغاريد الأمهات ونداءات الأطفال الفرحة، صفوف الجند المنتصرين تلوح في الأفق، مكللة بنياشين النصر بعد معركة طويلة غيبتهم شهورا عن أحبتهم.

انطلقت النسوة تستقبل أزواجهن بأكاليل الزهور، و تدفق الأطفال بفرحة حول آباءهم المنتشين بزهوة النصر.

 ارتمى أطفاله عليه قفزا وفرحا بعودته، واستقبلته زوجته كطفل تائه عاد بعد سنين، مازالت حمّى المعركة تدور في رأسه، وجهه غائب الملامح ونظرته شاردة تبحث عما تبقى من روحه.

 برفق تدعو أطفالها لترك والدهم ليأخذ قسطا من الراحة وتغريهم بحلوى أعدّتها خصيصا لهم، فيسرعون فرحين.

تتلقفه كوليد حديث، ترخي عنه زيه العسكرية بلطف، فيسلم لها جسده لتمحو عنه آثار المعارك التي أنهكته.

برفق تسكب الماء الدافئ على رأسه وتدلك كتفيه بحنان، تلامس أناملها انحناءات جسده التي حفظتها فتفزعها الجراح التي غزتها وبدّلتها.

يؤلمها أنينه كلما لامست إحدى جراحه فترفع يدها وتعاود سكب ما تبقى من ماء، ساعدته في ارتداء ملابسه وأسندته إلى فراشه.

أشار إليها أن تتركه وحده لينال قسطا من النوم، انتحت خارج الغرفة تغالب دموعها التي حبستها مذ رأته.

خرّت جالسة أمام الباب تجهش بالبكاء لما آل إليه حال زوجها، قست ملامحه وجفت نظرته، وغزت جسده ندوب كثيرة لن تمحوها السنين، حتى لقاؤه كان فاترا فلم يبادلها تلك القبلة التي استقبلته بها.

.......................................



بسط جسده على الفراش وحاول الاستغراق في النوم، و كلما مس النوم جفونه داهمته تلك الرؤية اللعينة.

(يمسك بندقيته مستعدا للتصويب، يراقب جنود الأعداء ببصره الحاد، يتحقق من الهدف، يضغط الزناد فتنطلق الرصاصة حادة و سريعة لتستقر في قلب الطرف الآخر، يدقق النظر فإذا بالقتيل أخاه، يركض لاهثا حيث الجثة الملقاة يرفعه خائفا ويحاول جاهدا كف دماءه عن النزف لكنها تندفع بغزارة لتغرق المكان وتبتلع جثة أخيه لتتركه وحيدا يصارع الغرق بلا جدوى، تنطلق صرخاته منخنقة واهنة، فتبتلعه الدماء حيا).

ينتفض فزعا ، يلهث بأنفاس متسارعة تلاحقها ضربات قلبه المريض بلا رحمة، يتفصد العرق من كل حنايا جسده المتحجر، تخونه حتى صرخاته وتغدو حشرجة بائسة.

"عدت منتصرا اذا"

يلتفت لمصدر الصوت فيجده أمامه، بركن الغرفة يتطلع إليه بعينيه الحادتين ووجهه البائس المشوه.

"بالتأكيد وما تلك النياشين إلا دليل بسالتي و شدة بأسي في الحرب"

" وهل عدت سالمًا؟"

"بجسدي جراح ستُشفى قريبا "

"وروحك؟.... أظلت سالمة؟"

"روحي عصية على الانكسار أو التأثر"

" وما ذلك الجرح الغائر فيها؟ أراه ينزف دما و قيحا"

يلوح بيده محاولا دفع محدثه بعيدا "سيندمل حتما بلا أثر أنا أقوى مما تعتقد، لقد هزمتهم جميعا ،أنا أشد من الجبال الراسيات و أقسى من الحجر الصوان، ارحل ...اذهب بعيدا ودعني، لا أطيق سماع صوتك، اذهب ولا تعد أبدا"

يوجه ضربة قوية بقبضة يده إلى محدثه ليتساقط زجاج المرآة أمامه محدثا صوتا عاليا، تندفع على إثره زوجته مسرعة فتجده واقفا يتطلع إلى صورته المنعكسة بغضب، يده تنزف دما ووجهه محتقن يهذي بكلمات مبهمة.