محمد موتشا - اُتارا {1}



ربما يكون هذا أخر لقاء بيننا،  لذلك دعني أتحدث إليك بالقليل من الكلمات لعلني أنجو مما ينتظرني في الغرب..! 

لا أعرف من أين ابدأ حديثي ولكن لنقول بأنني كنت شخصـًا مدللًا في فترات حياتي الأولى وحتى بعد أن مات أبي ظلت أمي تدللني حتى كبرت وأصبح لي عمل داخل البلاط الملكي كنت لا أفقه شيئـًا عن ارتكاب الأخطاء والذنوب أو فعل أي شيء يغضب والدتي أذهب إلى عملي في الصباح وأعود قرب المساء أحمل بيدي باقة من الزهور أُهديها لأمي كل يوم كعربون محبة وشكر لها عن انتظارها لي أمام الباب كل يوم. 

كنت لها بمثابة الأبن والزوج والأخ وكانت لي كل شيء في الحياة ولم أعٍ ذلك إلا بعد أن فارقتني كنت حينها في العشرين من عمري إلى هذه اللحظة أفتقدها كثيرًا وأفتقد عزفها وحضنها الدافئ وعطرها الذي يملأ البيت كل صباح .. وما أن وجدت " كينارا " حتى اطمئن قلبي وارتاح عقلي قليلًا وكأن أمي عقدت صفقة مع الإله لتعود للحياة مرة أخرى متمثلة في شكلها. 

أحببتها كثيرًا وكنت أقف لها كل يوم أمام المعبد صباحـًا ومساءًا استمع عزفها الذي كان يشبه عزف أمي وأعود به الى الماضي .. تخطيت مرحلة البكاء عند سماع عزفها إلى أن أحببته وما أن ظهرت أنت حتى اختفى كل شيء في لمحة عين .. اختفت " كينارا " وعزفها واختفى ذلك الطفل النقي الذي لا يفقه شيئـًا عن الدنيا واختفى ذلك الحب الذي أكنه بداخلي للغير .. وتبدل كل ذلك بالكثير من الذنوب والآثام وارتكاب الأخطاء الواحدة تلو الأخرى وأصبحت شخصـًا سوداويـًا أحمل في طيات أعماقي الكره والحقد تجاهك .. لا استطيع أن اُحملك كامل المسؤلية على ما أصبحت عليه الآن ولكنك جزء أساسي منه.

ماذا لو لم تأخذ " كينارا " من المعبد وتحتكرها لنفسك ولخدمتك ؟!.. 

ماذا لو لم تُعرفني الى تلك الراقصة ؟!،  ماذا لو لم تُغوني بجسدها الذي يتمايل في الهواء كأفعى تنقض بسرعة بالغة على فريستها؟!.. 

ماذا وماذا وماذا..؟! 

إنهم لا يعرفون عنك شيئـًا ولا يعرفون ما تفعله للمقربين منك أو حتى أصحاب السلطة والمقربين من الملك .. لا يعرفون الخدمات الدنيئة والشهوانية التي تقدمها لهم .. لا يعرفون ما تفعله ليلًا .. كل ما يعرفونه أنك تخدمهم صباحـًا وتعمل على إسعادهم مساءًا ولكن ما يجري داخل تلك الغرف المغلقة والمنتشرة داخل قصرك فهم يجهلونها .. الفكرة أنهم يهابونك, يبجلونك ويقدسونك حتى وصل الأمر بالبعض منهم أن خصصوا غرفـًا لك داخل منازلهم يستقبلونك فيها ليأخذوا منك المباركة لهم ولذويهم ويتركون لك القرابين داخلها حتى تأتي مرة أخرى. 

على هذا النحو وفي القريب سنجدهم يشيدون لك معبدًا خاصـًا بك .. يتعبدون لك فيه وسيكون لك كهنة وخدم وحاشية وكاهنهم الأعظم مثلك مثل " آمون " لا تختلف عنه في شيء .. ولكن أنت لا تستحق كل ذلك التقدير والاحترام ولا كل هذا التقديس .. أنت شخص وضيع تحكمك الرذيلة وحياة البغاء .. 

يكفي حديثي معك إلى هنا .. لا احتمل الجلوس معك أكثر من ذلك .. أعتقد أنك لن تسمع عني مرة أخرى ولن تعرف أخباري .. ربما الخبر الوحيد الذي سيأتيك هو رحيلي عن هذه الحياة الوضيعه التي أمقتها ولم تكن يومـًا حياتي .. وداعـًا أيها الإله المبجل.

- انتظر قليلًا .. لا أذكر أنني أجبرتك على كل هذا .. أنا فقط كنت أدلك وأنت كنت من تفعل .. كان لك مطلق الحرية في الإمتناع عن كل هذا ولكن ضعفك هو من تسبب لك بكل تلك الآثام كما تسميها .. فلترفقك السلامة أينما ذهبت .. وداعـًا " اُتارا ".
يتبع؛