فتحى عبد العزيز - أم درمان وتذكارات برتوكولية للقائد الاممي


فتحى عبد العزيز محمد 
الخرطوم بحري ـ الشرقيات 
على المرء أن يحب نفسه قليلاً لكي يحب الأخرين. أما أنا فليس لدي من أحبه أو أكرهه." الطاهر بن جلون

-1-
كان صباح جمعة جميل لابعد الحدود و وجيه ومشرق , الجو على غير العادة صحوا رائعا , وخالي من أى سحب شاردة أو حتى واردة تعبر النيل وفى أتجاءة الريف الشمالى الغربى ,ولكن الشىء المدهش حقا أنة كان هادئ القسمات وكما أتصورة ولدرجة الصخب , ومع ذلك محرض على فعل شىء ما خارق للمالوف , وبالتالي كسر كل هذا الصمت والروتين اليومي الممل , ورتابة تلك الايام نفسها والتى بدأت متشابهة وكأنها تمضي ذاهبة بنا كلنا والى العدم أو الا ما لا نهاية , والتى بدأ يشعر بثقلها الكثيرين والتى لم تخطر أبدا على بأل أى أحد , سواء فى التصرم أوالقتامة الصرفة المهم فى الامر يا صديقي , بأن تلك الجمعة بالذات ربما بطريقة أو آخرى كانت تنبئ لى أيضا وبطرف خفي بان هناك ثمة حدث أوأحداث هامة متسارعة ومرعبة وغير متوقعة , وخيمة خطيرة الجانب ستحدث فجاءة وبلا مقدمات , وغير متوقعة أو منظورة , وفى هذا التوقيت العجيب وهذا بالفعل ما سيعكر لاحقا أو فى اليوم التالي مباشرة وبلا أدنى شك صفؤ هذا الهدوء الكوني العجيب , وتلك السكينة وحتى صخب الصحف والاذاعات المحلية والعالمية على حدا سواء , لايام ولايام عديدة مديدة قادمات وفى رحم الغيب وحده ,وبالاخص وفى ذاكرة المدينة الشعبية الكمبيوترية والتى لاتنسى أى شىء أبدا , أما الامر الغريب والذى حدث بالفعل وكما يشيع الكثيرين , ذاك القدر الكبير من الكسل الغير معهود الذى عم ويا للمفارقة وسخريات القدر غالبية السكان , من الاستيقاظ مبكرين ذاك الصباح بالذات والعصي على الفهم والادراك والتفسير , وكأن طائف من الشيطان أوالنعاس قد غشي أو حل برؤوس الجميع وكل كائناتها الحية , حتى ديوكها وحمامها ودوابها فاثقلتها حتى أذنيها وباحلام صباحية وردية قذحية جميلة , وفى صباحية تلك الجمعة الفريدة الشأن والتى كثيرا ما أصبحوا يؤرخون بها , فرغما عن روتينية ورتابة برنامجها الصباحي المعروف للداني والقاصي بالتحضير لفطور الجمعة المعهود , لا يوجد شىء حقيقي يشغل بال الكل سواء مباراة القمة , والتى ستقام مساء اليوم باستاد الخرطوم بين الهلال والمريخ فى نهائى دورى السودان .

-2-
فى حين أن صباح الجمعة كان يعني لنا عادة الكثير نحن سكان الموردة بالذات ,بالطبع هناك أشياء وطقوس كثير معهودة ستحدث على الفطرة والسليقة , فشلة الانس ليلة البارحة كانت ستلتقي بالتاكيد صباحا على طرف حلقة الاسماك , يصطبحون بالشيشة وشرب الشاى والقهوة , ولعب الضمنة بجوار الشواية وسمك شعيب او سوكي , ثم يهرعون كالعادة لصلاة الجمعة بمساجدها العتيقة المعروفة , غير أن لحظتها كان ثمة صمت ما يسؤد حتى سوق الموردة المزدهر نفسة , و على الرغم من أنة كان يمور بصفوة الصفوة من الاعبين الخضرمين والفنانين وحتى العازفين المهرة , ورجالات السياسةوالصحافة وبكل رموز المجتمع المؤثرة والشهيرة أنئذاك , فالوزير ود محمد أحمد ياتى من الرياض ليصلي بمسجد بريمة أوالديبة بفريق بر , وألقاضي ود التويم من أبوظبي فى إجازة سنوية وليصلي بمسجد النيلين , وود الزبير ياتي من الثورات للصلاة بمسجد الادارسة بالموردة , ورئيس اللجنة القومية لتخطط المدن والاراضي خليل ليصلي بمسجد حسن حسين , ومع كل ذلك كنت بحسي الصحفي أتوقع أن شىء ما غير عادى سيحدث , ويحول كل شىء للضد , مثلا كنت أتوقع وبشطحات خيالي الجامح وكعاشق للثمالة ولمهنة الاثارة والنكد , أن تحدث فى ذلك اليوم حوادث جثام أو أشياء غريبة ومن سابع المستحيلات وكما يقولون , مثلا كنت أتمني أن تحدث فجاءة زوبعة رعدية ممطرة ليومين متتالين , أو أن ترسل السماء على حبن غرة ريح أو كتاحة عاتية عاصفة , أو رياح خماسين هوجاء زائرة أو غائرة وغير متوقعة , تقلع الاخضر واليابس وتنشر الحوادث المختلفة والحرائق المروعة المتفرقة هنا وهناك , أو بالعدم خبر ينزل كالصاعقة علي رؤوس الرياضيين المهوسيين من الرشاشات وغيرهم , كتأجيل أو الغاء مثلا لقاء القمة الكروي اليوم الهام والذى سيقام بأستاد الخرطوم , أو الغائية بأى سبب عرضى ولو كان ذلك السبب شبية بحادثة أو واقعة تسجيل صلاح مشكلة مثلا , والتى أقامت فعلا الدنيا ولم تقعدها بعد ذلك أو شىء خطير أكبر يمس حياة الجماهير والطلاب ويحرضهم للخروج للشارع العريض والتظاهر بشدة , كزيادة تعرفة المواصلات العامة أو بالعدم تعديل وزاري كبير وخطير ومفاجي يطيح بوزير المالية والاقتصاد والتجارة والبترول , لفشل سياساتهم وفى تحسين المرتبات وتركيز الاسعار الملتهبة أوحل ضايقة المواصلات المستعصية والمستحيلة , غير أن شىء من كل القبيل لم يحدث , بل الذى حدث فعليلا ولم يكن يخطر على بال بشر هو أن العاصمة الوطنية أمدرمان , تنتظر أو موعودة بأن تشهد غارة جوية وقبيل آذان الجمعة الاول لمتشهد مثيل لها ومنذ الحرب العالمية الاخيرة .

-3-

أذكر تماما بان الساعة كانت حينها تشير الى الساعة الحادية عشر ونصف , وقبيل صلاة الجمعة بساعة ونصف على وجة التقريب , وكنا ثلاثتنا نترقب الاستماع من الاذاعة لبرنامج حقيبة الفن الشهير والمحبب لدى الامدرمانين , والمورداب خاصة والذين كانوا يعشقون على أيامها اللمات والنقاشات الكروية الجادة الساخنة والهادفة , وأمام دكان المنتدى الرياضي المعروف بجوار دكان المهداوى القديم , أو الحلاق عامر وفطور الجمعة الباكر بسمك طازج من دكان سكى أو دالمحامى , وتحضير سلطة الطماطم بالدكوة وتتبيل " أم فتفت " بالعتى ولوازمها , وبالصحن الكبير فى مطعم عمك عبد الواحد التاريخي , والاستماع فى نفس التوقيت لأغاني حقيبة الفن , سواء بالقرب من دكان توتو ترزى أو دكان الحلاق كابو , وبحضور الفنان الشهير التوم بيك عبد الجليل , ألاخ الشقيق للفنان الكبير أبراهيم عبد الجليل عصفور السودان . أو بوجود العم الفنان عطا كوكو فردة أولاد المورة عطا كوكو وأبراهيم عبدالكريم , "بلابل " الموردة وكما كان يسميهم لاعب نادى المودرة المخضرم العم " سوميت " , بعدها ودعنا بعضنا البعض وليقوم كل منا وللتوجة وللصلاة وفى المسجد الذى يصلي فية الجمعة دائما .

غير أن القائد الاممي يومها كان يريد لنا وعلى طريقتة الخاصة جمعة تذكارية مختلفة خالدة وفريدة من نوعها , فبينما كنت أسير بالقرب من رصيف منزلنا القديم والذى كان يجاور خور ابوعنجة , لفت أنتباهي تحليق طائرة حربية غريبة الملامح خشنة الصنعة ومزعجة الصوت , من طراز التوبلوف قازفة قنابل أستراتيجية المعروفة , تسير متسللة بخفيه وببطء فوق رؤوسنا وبسرية تامة ومزودة بصاروخين موجهين وآثار لخزاني وقود أضافيين , يبدو أنها تخلص منة للتوه وبالصحراء الكبري القريبة , وقبيل الاقتراب من ألاجواء الامدرمانية وحتى لاتحدث صوت أوجلبة تروع الأمنيين , وباكثر مما هم فية تلك الايام , بل كانت ملئية بالبقع الزيتية والادران ومغبرة اللون ومن أثر العبور الرهيب وللاجواء الرملية الصحراوية, ولربما يقودها أشطر طيار أجنبي مستاجر ومحترف على الاطلاق , لان مثل أولئك الطيارين الماجورين لايخطون الهدف ولو كان ذبابه أو حتى بأعوضة أو أى أنفلينسية متناهية الصغر , وكانت تحلق بارتفاع منخفض جدا , ولتتفادة بالطبع أى رادار يعترضها سواء أكان ذلك بالسلاح الطبى أو حامية امدرمان , وبسرعة معتدلة ولتاخذ وضع الاستدارة الحادة وفوق جسر خور ابوعنجة , ثم تتم كامل أستدارتها فى مقرن النيلين ولتكسر فجاءة حاجز الصوت وترسل مباشرة قذيفتين " فشنك " صوتية ومسنفدة , لتحدث دوى هائل ومروع سمعت بة كل المدينة من أقصاها لاقصاها , ومن ذاك البعد وبتركيز محكم وفى الحقيقة لم يكن يخطر حتى على بال أحد أبدا , بأن القائد الاممي نفسة قد غضبة غضبة كبرى على أمدرمان , وقرر فى تلك الجمعة الفريدة أرسال طائرة قازفة قنابل بعيدة المدي , ولتقصف فى ظهيرتها الحوشين السودانين الكبيرين والشهيرين , وهما حوش الاذاعة وحوش التلفزيون , والحمد لله أنها لم تشمل بغضبها العارم الحوش الثالث , وهو حوش الاستاذ والمربي العم " طلسم " والمجاور للحوشين المنكوبين دائما , والمغلوب على أمرهم والذى تسكنة بالطبع ومنذ زمنا طويلا وليس بالقليل بناته الماجدات الاخوات " بلابل " الموردة والسودان , والاتى كنا يصدحن ويتسيدين التغني يومها بالبطولات والامجاد المايوية الخالصه , وخصوصا ولحأدي الركب والمسيرة يومها " أب عاج " , وبدرر من الحماسيات والتى تكاد تحرك حتى الصخر العصي , وخصوصا وعندما كان يخرج ومن كل نكبة أو محاولة أنقلابية وآخري سالما ومنتصرا ومعافة .

-4-
حيث كانت الغارة نفسها وفى حد ذاتها وعلى ما يبدو لاحقا سببا وجيها ومباشرة , ولاختفاهم ذات صباح كليا وعن الموردة ومنحهم سكنا بديلا ومستعجلا , وبعيدا عن الموردة وأمدرمان كلها وللخرطوم راسا , " لاركويت " ـ محطة البلابل الضاحية الخرطومية الجميلة المبانى والتخطيط , والتى أصبحت الان وكما نراها أكبر واجمل حتى من كبريات المدن , وأصبحت تقريبا وفى قلب الخريطة الموجه وللخرطوم الكبرى وكما يقول المهندسين ومخططى المدن أحبابنا , وذلك كله وبعد أن أصبحت مبانى الاذاعة والتلفزيون منطقة خطر وهدف عسكري , وأرض أم المعارك السودانية جميعها وكذلك بعيدا من السكن بشارع الاذاعة الشهير , والذى يشهد دائما العشرات من العنتريات والمحاولات الانقلابات الفاشلة والناجحة والمواجهات الضارية والطاحنة , و سريان حتى حظر التجوال ليلا ونهارا والذى أعتدنا وتأقلمنا عليه تماما , وعلى مدار العام وحالات الطواري والمداعبات بالرشاشات والمضادات والمدفع والدانات , وآخر الدواهي الان القصف الجوي وبالطائرات الضخمة قاذفات القنابل البعيدة المدي .

بالطبع كانت الغارة مركزة فقط على مباني الاذاعة والتلفزيون المتجاورين واللذان كانا يزعجان القائد الاممي , ويهاجمان فى كل مناسبة أو آخري تلك الايام بالذات نظريتة الثالثة وكتابة الاخضر , ونعتهم باقذح النعوت والاوصاف ومع ذلك فأن الغارة ولله الحمد , لم تحدث أى خسائر فى الارواح ولكنها تسببت بالطبع فى هدم بعض الاستديوهات , وتلفيات فى بعض المبانى الجاورة من الناحية الشمالية , وهكذا شاء القائد الاممى أن يترك لنا وراءة جمعة تذكارية خالدة بحق وحقيقة , ولا تمحوها ذاكرة الايام أبدا ولياتي بعد الغارة مباشرة الرئيس " نميري " متفقدا ألاثار وملوحا بالثار هذة المرة وبكلتة يدية , مما حدا بالرئيس السادات للاستعجال بأرسال شبكة من صواريخ سام المضادة للطيران , وأنشاء كتيبة دفاع جوى دائمة وبالقرب من دروة امدرمان , ومكان حي المهندسين الان , ومن يومها منع مرور أى طائرة فى سماء أمدرمان الغربى والا أستقطت فورا .

-5-

أما الجمعة الاخري الفريدة الجانب والتى تشهدها المدينة وللقائد الاممي , فقد جاءت وعلى غير المتوقع عكس الاولي تماما , بل وفريدة من نوعها وبيضاء النية ومن غير سوء أو قصد , كما جاءت كفاتحة خير وخطوة مباركة وفى كل شىء ومن أولها ولآخرها , فكانت بالطبع فى الديمقراطية الاخيرة وبعد ذهاب نظام مايوى مباشرة , ففى تلك الجمعة أظهر فيها القائد الاممي حبة وعشقة وأحترامة ولتلك المدينة العصية على الغزاة , وعندما قام القائد الاممي شخصيا واصالة عن نفسة وبخرق أوكسر بروتوكول الضيافة الرسمي بالكامل , وأصر بنفسة وعلي سائقة الخاص لعبور كبرى النيل الابيض غربا والتوجة مباشرة ولزيارة المدينة الشعبية المسالمة أمدرمان , وللصلاة بمسجدها المنارة السامغة " مسجد النيليين " الشهير , والمنارة اللامدرمانية السامقة , وخروجا عن برنامج الزيارة والضيافة الرسمية مما قلب التدبيرات التنظيمية والامنية كليا ورأسا على عقب , وأحدث ربكة دبلوماسية وبروتوكلية غير محسوبة الجانب , والذى لا يبعد من قصر الضيافة الرئاسي الخرطومي سوى دقائق معدودة , حيث جاء وبرفقتة عل ما أذكر بعضا من حرسة الخاص من المجندات الماجدات والاتي صلين صلاة الجمعة بالقبؤ النسوى الملحق بالمسجد , وهو يدخل هكذا ولوحدة وبدون أى نوع من الحراسة ولصحن المسجد , ليجلس مباشرة ليس فى الصفوف الاولى والشاغرة والمحجوزة أصلا لامثالة ومن الرؤساء وكبار الزوار والشخصبات وعلية القوم , الذين كانوا ينتظرون قدومة المفاجي بالرحب والسعه , ولكنة وعلى غير المتوقع كسر قواعد البروتكول تماما وللمرة الثانية , وعندما أصر أن يجلس بتواضع جم ووسط صفوف العامة وبين البسطاء والسذج , والغبش المساكين أمثالنا ومن عامة الشعب , وهو الذى يملك بترول ليبيا وخزائين أيطاليا وبنوك لندن وباريس , فأكبر بالتالي أهل أمدرمان منة تلك اللفته البارعة , وليذهب بعدها منتشياء للقصر الجمهورى ويتبرع بسخاء للسودان وفى مساء نفس اليوم , ببناء برج الفاتح مكان حدبقة الحيوانات , وليكون تخليدا لذكراة بالمقرن أو ملتقى النيلين , ويتبرع بتشيد طريق يربط شرق النيل بوسط الخرطوم وهكذا هو الدهر .. ياسعد .

-6-

أما وفى يوم أن تزعزع حكمة اتناء ثورة الربيع العربي ,كان صامدا وصامتا الا ذاك اليوم سمعتة يهاجم الجميع , ساطاردهم هؤلاء الجرزان زنقة .. زنقة .. وساصرف السلاح ولكل الشعب وساجعل من ليبيا نارا حمراء , أستعجبت لحديثة وأستعجبت لهؤلاء ... الذين أرشدهم بالكتاب الاخضر وبالنظرية الثالثة وأعدهم أعدادا خاص وليكونوا رأسالرمح ولحماية الجماهيرية من المأرقين ومن أى تغول أو موامرة خارجية ضدة .. , بل كان أكثر ثقة فى انحيازهم لة على الرغم من تحزيرات الشيخ " بلة الغائب " .. , بل كان لا يعلم حتى ما يخبية القدر لة وما يجري خلف الكواليس , فجماعة النيتو خصوصا سركوزى وصحبة كانوا يعانون فعليلا ويواجهون نكبات وظروف أزمة مالية رأسمالية عالمية طاحنة , تقدر بمليارات الدولارات والسنين الضوئية المالية , وأن فى بترول وغاز ليبيا الخلاص من الازمة , وانهم مستاءين ومن موقفة المفاجي وبالغاء عقود وصفقات التسليح الضخمة لتشغيل مصانعهم وبمجرد جرة قلم , ولهذا عقدوا العزم على أن يلغوه هو الآخر عن الوجود والتاريخ وبمجرد غارة جوية ذات ظهير مكفهرة عبوسه , ويتركوه بعدها ليواجه مصيرة المحتوم , وفعلا وكما قال شيخنا فرح ود تكتوك حلال المشبوك " خربانة الدنيا ام بنايتا قش " , وتبا للسياسة نفسها , والتى أعرض عنها الجميع وأصبحت الان مهنة من لا مهنة له . 

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +