محمد أحمد فؤاد - مصيدة الأبابير



مصيدة الأبابير

محمد أحمد فؤاد 

أحسَّ يوسف بفزعٍ شديدٍ حين سمع الحكاية لأول مرة من (عمتو سحر)، كما يليق بصبي في التاسعة من عمره. حين يهبط المساء في القرية التي لازالت عمته تقيم فيها (دونًا عن جميع إخوتها) بمنزل العائلة الذي انفردت به بعد وفاة الجد والجدة، يحدث أمرٌ عجيب. 

تنبعث في البداية رائحة أبابير مطمِّعة تثير شهوة البطون إلى أبعد مدى (الأبابير بالمناسبة هي مخبوزات تشبه البكاكين الساخنة، وتكون محشوَّة بالزبد والسكر. أما البكاكين فهي مخبوزات تشبه القُرَص. أما القُرَص فـ... لا لا.. استحالة ما تكونش عارف القُرَص!). المهم، يعقبُ الرائحةَ اقترابُ حمار الشيخ سيد. ليس معنى أن اسمه (حمار الشيخ السيد)، أن الشيخ سيد يكون مرافقًا له. لا. يأتي الحمار وحده، ويقف تحت أي شباك يختاره، ويبدأ في التضخُّم، وتطول قوائمه، ويعلو ظهره، ويرتفع عنقه، حتى يصبح موازيًا تمامًا لحافة الشباك. مزيج الرائحة الشهية، وهسيس الحمار الناعم، يجذب الأطفال، فيفتحون النافذة، وتغريهم البرذعة الناعمة المنقوشة المنسوجة من القطيفة الحمراء، بأن يركبوا على ظهر الحمار العملاق. فما إن يستقروا على البرذعة، حتى يتضاءل الحمار في أقل من لحظة، ويسقطوا جميعًا على الأرض، فتتكسر عظامُهم، ويموتون!.

الحكاية مفزعة، ولاسيَّما حين تقصها عليه (عمتو سحر) بصوتها الذي لا يخلو من غِلظة، وخالها القريب من أنفها، الذي لا يكف عن الانكماش والتمدد، طوال حديثِها. بالطبع لم يفطن الصغير بعد لحيل الكبار التي يقصِدون بها إلى أمورٍ شتَّى لا قِبَل للصغار بها. سحر مثلًا لا تطيق الأطفال، وتعشق العزلة، وبينها وبين إخوتِها مشكلات لا تكاد تنتهي، والزيارات الموسمية التي يملأ صخبُ أبناء إخوتِها فيها المنزل تسبب لها انزعاجًا لا يوصف، وهي - حقيقةً - تتمنَّى أن (تطفِّشهم) بكل الوسائل. لكنها مضطرة - للأسف - لاستقبالهم في (بيت العِيلة) الذي يحمل الذكريات الطيبة لكل الإخوة المتعلِّقين جدًّا به، ولا تزال رائحة القِدَم والأصالة الحاضرة في كل ركنٍ فيه معلَّقةً بقلوبهم، وخاصَّةً الحديقة الخلفية التي تحتل فيها شجرة التوت مكانها المميز منذ أن زرعها الجد الأكبر!

في الليلة الأولى من عيد الأضحى، حدث ما كان يخشاه يوسف، حين استلقى على فراشه بالطابق العلوي، في الغرفة التي يشاركه فيها أبناء عمه. ملأت أنفَه رائحةُ الأبابير السَّاخنة، فارتعد. لكنَّه لم يسمع صوتَ هسيس. إلا أن صرير بعض حشرات الليل كان أشد إفزاعًا!

غطَّى وجهه، وانكمش في الفراش، واستطاع بعد مشقَّةٍ أنْ يغيب في نومٍ، لم يخلُ - لسوء حظه - من الكوابيس!

في اليوم التالي، خرج مع أبناء عمه إلى طرقات القرية للعب. هناك ساحة قريبة من البيت، يطيب لهم فيها لعب الكرة؛ فأرضها مستوية، وبحوافها بعض الأحجار التي يمكن الاستعانة بها لبناء مرميين.

تواصلت المباريات، حتَّى حان موعد الغداء، فتهيأ يوسف ومَن معه للرجوع. لكنَّ الرائحة فاحتْ مرَّةً أخرى. أقوى وأنفذ وأحلى. ياه. رائحةٌ كهذه يستطيع الإنسان أن ينتبه إلى موضع انبعاثها بمجرد الشم. التفت يوسف إلى مصدر رائحة الأبابير السَّاخنة فوجد رجلًا شيخًا، جميل المُحيَّا، لحيته البيضاء ناعمة، وتبدو عليه رقة وحنان لا يوصفان، وفي يده اليمنى كيس أزرق! اقترب منهم وحيَّاهم، ثم سأل يوسف برقة، والرائحة تكاد تجنِّنه، عن اسم أبيه. فأجابه، في حين كان التوجس يملأ قلوب بقية الصِّبية، وبدأ بعضهم بالفعل يبتعد عن الشيخ بخطًى بطيئة.

ربَّتَ الشيخُ كتفَه، وأقسم عليه وعلى بقية الصبية أن يأتوا إلى منزله، ليضيِّفَهم ببعض الأبابير، وعصير البرتقال البلدي. رفض الجميع ماعدا يوسف.

برغم خشيته في الليلة السابقة من الرائحة التي تصاعدت، وزكت مخاوفه حتى أحرمته النوم الهانئ، إلا أنَّ مظهر الشيخ، وعطفه، وابتسامته التي لا ترتسم إلا على وجوه الصالحين، كل هؤلاء بعثوا الطمأنينة في رُوحه، فعزم على أن يذهب مع الشيخ.

أجل ذهب وحده، دون جميع أبناء عمه، بل واستهزأ في نفسه بنظرة القلق التي لاحت في عيونهم وهو يودِّعهم.

لم يتحدث الشيخ بشيء طوال مدة السير التي صاحبتهما فيها الرائحة الفردوسية، لكنَّ يوسف كان مطمئنًّا تمام الاطمئنان لهذا الرجل. كان يشبه إلى حدٍّ ما جده الذي لعله توفِّي وهو (يوسف) في الرابعة أو الخامسة من عمره.

- إحنا رايحين فين يا عمو.

- إيه يا يوسف؟ إوعى تكون خايف. دا انا هاورِّيك حاجات هتبسطك. وبإذن الواحد الأحد هتبقى تيجي انت وولاد عمَّك يوماتي.

بعد عشر دقائق من السير في دهاليز القرية، ظهر أمام يوسف، منزل قديم، مبني بالطوب اللبن، وبابه الخشبي الأزرق متداع. دلف مع الشيخ من المدخل، ووارب الباب وراءه، وبدا ليوسف وهو واقف في الرواق شبه المظلم أن هذا البيت هو مصدر الرائحة. كأنه مبني بالأبابير لا بالطين!

مسح الشيخ مبتسمًا على وَجنة يوسف، ثم قبله.

هنا بدأ يحسُّ أنَّ هناك شيئًا غير مألوف.

يوسف مثله مثل أي طفل في مصر، لا يملك خدَّاه أيَّة حصانة تجاه شفاه الآخرين. جرَّب كل أشكال التقبيل من الكبار في حياته القصيرة، بدايةً من القبلة الخافتة، ومرورًا بالقبلة المبلَّلة، والقبلة الأنفية، والقبلة اللزجة، وانتهاءً بالقبلة الضاغطة التي تصدم رأسَه فيها بعنفٍ عظامُ وجهِ من يقبله. لكن قبلة الشيخ كانت مختلفة. فتح فمه، والتقم قطعة من خده اللدن المستدير، وبدأ يمتص برفقٍ كأنه يرضع.

- عمّو أنا لازم امشي دلوقتي علشان ماما مستنّياني.

صمت الشيخ لحظاتٍ، وقد بدا عليه أنَّه اكتشف أن الصبي أحسَّ أمرًا غريبًا. فقال له مطمئنًا:

- إيه يا يوسف؟ مش عايز الأبابير وعصير البرتقان ولا إيه. طب مش تشوف اللعب اللي عندي؟

- أنا لازم امشي.

عض شفته السفلى في ضَيق، وأخرج من كيسه إحدى الأبابير، وأعطاها ليوسف بابتسامةٍ مصطنعة، انطفأ بها بريق وجهه السابق، وقال له:

- خلاص يا حبيبي خد دي.

أخذها منه يوسف، وبعد أن فتح الباب، وهم بأن يركض، هتف فيه الشيخ:

- باقول لك.

التفت إليه يوسف الذي كان على مسافةٍ آمنةٍ منه، فقال له:

- إياك تقول لحدّ على اللي حصل. وأقسم بالله لو حد عرف، لاهورّيك. وانا هاعرف كويّس أوصل لك.

انطلق يوسف يركض بين دهاليز القرية بقلبٍ يتواثب، وأخيرًا عاد إلى المنزل بعد مشقَّةٍ، في موعد الغداء بالضبط.

ولحسن حظه، لم ينتبه أحدٌ إلى شروده، ولا إلى صمته غير المعتاد، لأنه طفل، فلم يتلقَّ أسئلةً محرجةً. وحتَّى لو سأله أحدٌ، فلا أظنُّ أنه كان سيُحسن وصفَ ما تعرَّض له. أنا نفسي أخفيتُ في هذه القصَّة مشهدًا صادمًا، ولم أصفْ لك كلَّ ما حدث في دار الشيخ بينه وبين يوسف، بدافع التقزُّز، والغضب ممَّا وقع للصغير من اعتداء!

بعد انتهاء أيام العيد، رجع يوسف مع أمه إلى القاهرة، وقد عقد النية على ألا يطأ القرية مرة أخرى طوال حياته. هناك عشرات الحيل التي قد يلجأ إليها في الإجازات بدايةً من التمارض، وحتى الحيلة التي سيلجأ إليها وهو في السابعة عشرة من عمره بعد كثيرٍ من المشكلات النفسية، ولا مجال لذكرها الآن.

على أيةِ حالٍ، استطاعت (عمتو سحر) أن تتخلَّص تباعًا من أبناء إخوتِها وإزعاجهم، ولا أعرف حتَّى الآن هل لها عَلاقة بالشيخ سيد (أجل. اسمه الشيخ سيد!) أم لا. لكنَّها على أية حالٍ امرأة حقيرة، ولا يُستبعَد أنْ تفعلَ أيَّ شيء لتحقيق ما تتمناه!.